فضاءات ضيقة | أحمد جميل الحسن.. الوداع

د. عاطف البطرس:

دخلت أول مرة إلى ملتقى أحمد جميل الحسن الثقافي بمنزله العامر في منطقة الحجر الأسود، حيث اجتمع فيه أكثر من 30 شخصاً بين كاتب قصة وشاعر وروائي وناقد، يوحّد بينهم حبهم للأدب وعشقهم لعذابات الكتابة التي لا فكاك منها إلا بالموت الذي اختطف مؤخراً القاص والروائي والناشط الثقافي المقاوم بالسلاح والكلمة الصديق الوفي أحمد جميل الحسن.

يبدو أن لكل من اسمه نصيب، فأحمد.. تيمّناً بصاحب الدعوة التي غيّرت وجه شبه الجزيرة العربية وبنت الدولة العربية الإسلامية ثم انتقلت إلى رحاب العالم. جميل.. الخلق والسلوك والمعاملة، والحسن أو لنقل الحُسن هو صنو الجمال والاستقامة والصدق، لذلك يمكن أن نقول بثقة إن الاسم ينطبق على المسمى.

في أول جلسة في الحجر الأسود كان الفقيد قد وزّع مجموعة من النسخ على بعض النقاد ليصار إلى تقديم ملاحظات حولها، وهو نظام متبع في الملتقى يقوده بهمة ومتابعة المشرف العام عليه، ثم يبدأ النقاش حول المؤلف الموزع على المعنيين.

سمعت باهتمام إلى ما قيل يومذاك، ثم تكررت اللقاءات حول أعمال أخرى، رواية، مجموعات قصصية أو شعرية، وكانت إدارة الملتقى للفقيد فهو يوزّع الأدوار ويهندس اللقاء بعيداً عن المحاباة معطياً لكل متكلم الحق في التعبير عن رأيه بكل حرية ضمن حدود النقد الموضوعي، بعيداً عن الشخصنة ومكانة المتحدث لأن الملتقى كان يضم كتاباً وكاتبات متفاوتي المكانة والموهبة.

ذات لقاء طلبت الكلام للمرة الأولى، كنت مربكاً إلى حد ما، فليس سهلاً أن تتحدث أمام أكثر من 40 من الكتّاب والمبدعين والنقاد.

في نهاية الجلسة استوقفني أحمد جميل الحسن وعبّر عن إعجابه بما قلته، واستغرب صمتي طيلة أكثر من سنتين من اللقاءات، وطلب مني أن أكون المتحدث الأول في الجلسة القادمة، وهكذا كان فأصبحت من أوائل المتحدثين في الجلسات اللاحقة.

لم يكن الحسن في إدارة ملتقاه يميز بين المتحدثين إلا على أساس ما يقدمون من إنتاج أدبي، فالقيمة لديه من النصوص وليس من خارجها ومن رؤية المتحدث وليس من موقعه.

كثيراً ما تساءلت عن دوافع نشاط الفقيد وما يتكبده من مشاق ومتاعب ونفقات وجهد، فكنت أجد في أسارير وجهه وابتسامته وهمته العالية جواباً شافياً.. إنه الإخلاص لرسالة الثقافة بنشرها وتعميمها وتبادل الرأي والانتصار لقيم الجمال في الفن.

أحمد جميل الحسن قاص وروائي ومقاوم حمل السلاح من أجل قضيته العادلة ومازال يقاتل بالقلم جندياً في معركة الإبداع، إلا أن نشاطه الثقافي ومتابعته الدؤوبة، ليس في منزله فحسب بل في المراكز الثقافية، إذ كان يوزع الأنشطة على رواد ملتقاه دون تحيّز أو ممالأة للمشاركين.

من الصعب أن ننسى دوره في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين وهو مقرر جمعية القصة والمشرف على لقاء أسبوعي ينظمه الاتحاد في مقره.

كم من المواهب اكتشف الفقيد! وكم من الإمكانيات شجع ودفع بها إلى أنشطة خارج المنتدى وبعيداً عن قاعة الاتحاد!

أكثر من مرة تداولت مع بعض الأصدقاء.. من عنده كلمة إعجاب أو شكر أو تقدير لصديقه فليقلها له في حياته، فما فائدتها بعد رحيله؟

قلت كلمتي في الراحل أحمد جميل الحسن في حفل تكريمي له في المركز الثقافي بالميدان قبل سنوات مضت، وها أنا ذا أُعيدها اليوم.. لا يمكن لنا أن ننسى مقاتلاً حمل السلاح، ثم امتشق الكلمة وهي أمضى وأقوى، فإن كانت الرصاصة تقتل فرداً فالكلمات تحْيي أفراداً عبر الأجيال وتمدهم بإمكانيات الصموت والقدرة على المقاومة ومواجهة الجهل ومحاربة التخلف.

أعترف أن ما قدمه الفقيد لي شخصياً من تشجيع وتعاطف لا يمكن أن أنساه، فقد انتقلت بفضله من ناشط في منتداه إلى عضو فعّال في ملتقى القصة في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، ثم إلى محاضر في المراكز الثقافية وعضو في لجان التحكيم، وبذلك أعاد وضع قطاري على السكة التي كنت قد بدأت السير عليها في عام 1982 وعدت إليها بعد عام 2005 بفضل تشجيع الأصدقاء وفي مقدمتهم أحمد جميل الحسن.

لتهنأ روحك في عليائها أيها الإنسان النبيل والقاص والروائي المثابر والناشط الثقافي المميز، فالطريق الذي سرت عليه وتركت بصماتك فيه سيجد من يتابعه نهجاً ومناقب ممن أصبحوا أسماء لامعة في عالم الكتابة والإبداع، وستبقى كما كنت تردد دائماً قائلاً: فلسطين عربية وعاصمتها القدس الشريف، والنصر لقضايا الشعوب العادلة!

العدد 922 - 12/08/2020