حيـاة فـوق حيـاة 

مرح محمد نبيل السمكري:

ما زالت قضية التبرّع بالأعضاء بعد الموت من القضايا الشائكة، والتي تثير جدلاً اجتماعياً ودينياً وعاطفياً.

ويحدث التبرّع بعد الموت عن طريق توقيعٍ على عقد يسمح للأطباء بأخذ العضو الذي وقعت عليه بعد حدوث الوفاة، ويكون إمّا أعضاء داخلية كالقلب والكبد والرئة والكلى والبنكرياس، أو أعضاء خارجية كالأيدي والأقدام والجلد والعين، أو التبرّع بالأنسجة والخلايا.

وسبب خوف الناس من الإقدام على هذه الخطوة يكون أحياناً سببٌ ديني، فبعض شيوخ الإسلام أحلّوا التبرّع بالأعضاء بعد الموت، واعتبروها من أكبر الأعمال الإنسانية وأعظم وأسمى الصدقات، مُستندين إلى آية (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)، وقسمٌ آخر من الشيوخ حرّموا ونهوا عن التبرع بالأعضاء، مُتذرعين بعدم ملكية الإنسان لجسده، وعدم حريته بالتصرّف في أعضائه، أمّا عن مساعدة الناس ومنحهم حياة جديدة، أو صحة أقوى فيذهبون إلى أن الإنسان لا يقدر على منح الحياة والصحة لأحد، فما سبق بيد الله وحده.

وبعض الأشخاص يتخوّفون من الإقدام على هذه الخطوة لأسباب اجتماعية، فغالب المجتمعات العربية اليوم لا تتقبّل فكرة التبرع بالأعضاء وتعتبرها ضرباً من الجنون، وكغيرها من التخوّفات الاجتماعية لا تعرف لها سبباً منطقياً وعقلياً واضح.

أما الخوف من الناحية العاطفية (وهو الطاغي على الناس) فهو لأنهم لا يتخيّلون قطعاً منهم أصبحت في أجسادٍ غريبة، لا يستوعبون وجود أعضائهم في أحشاءٍ لا يعرفونها، لا يتخيّلون وجوههم من دون عيون، ولا صدورهم من غير قلب ولا أجسادهم من غير جلد، وهم مُحقّون في شعورهم، فالإنسان لا يملك أغلى من جسده، وحتى لو كانوا من ذوي المتبرعين، فأيضاً لا يستسيغون الفكرة ولا يتأقلمون معها.

وربما لا يمتنعون عن التبرع بسبب كل ما سبق، بل بسبب مخاوف موجودة بالفعل، مثل التجارة بأعضائهم والمزايدة عليها عوضاً عن التبرّع بها، أو إهمال الأطباء لهم في حالة مرضهم حتى يموتوا ويحصلوا على أعضائهم، أو أخذ أعضائهم منهم وهم متوفون دماغياً فقط لكن مازالت قلوبهم تنبض.

وبعض الأشخاص يرفضون التبرّع لأن أجسادهم ملكهم وحدهم ولا يمكن لأي شخص كان مشاركتها معهم. ولكن دعونا نُفكّر من جهة أخرى، تخيّل لو أنك مريض بالكبد وعلى حافة الموت، وبجوارك على سرير المستشفى يوجد شخص مات للتو، ألن تطمع بأن يعطيك كبده لتُكمل حياتك؟ ولأن كبده هذا لن يقدّم ولن يؤخّر بالنسبة إليه في شيء، فهو ميت، ومتجه بعد ساعات قليلة للدفن.

أو تخيّل أن أحد الأشخاص المقدسين لقلبك كأحد والديك أو ابنك أو زوجك بين الحياة والموت، ولا يُعيده للحياة سوى تبرّع شخص ما بأعضائه، ألن تؤيّد التبرّع حينئذٍ؟

لقد سألت عدّة أشخاص عن رأيهم بالمسألة وأنا أُعدّ هذه المادة، وتباينت آراؤهم تبايناً شاسعاً، إلاّ أن ثقافة التبرّع بالأعضاء يجب أن تُعمَّم بالمجتمعات العربية، لأن في ذلك تقديساً لمعنى الحياة، ولأنها أسمى درجات الإنسانية أن تُعطي جزءاً من جسدك بعد موتك عوضاً عن تركه يتحلّل في التراب، ولأن تعميم وانتشار هذه لثقافة سيضع حدّاً لجريمة التجارة بالأعضاء البشرية التي تسبب العديد من الجرائم وحالات الخطف.

لا تتردَّد أبداً في فعل الخير، لا تتردَّد أبداً في بعث الأمل بجسدٍ مُنهك، لقد سخّرنا الله لنساعد بعضنا، جعلنا جنوداً للسلام في معركة الحياة.

العدد 922 - 12/08/2020