بقـاء مستمـر وخلاّق

إيمان أحمد ونوس:

كل المجتمعات تحكمها نُظم وقيم وتقاليد اجتماعية ودينية تتناسب ومستوى الوعي الاجتماعي والثقافي … الخ. وبناءً عليه تُسنّ في مختلف المجتمعات تشريعات وضعية/ قوانين تملأ الفراغ القائم في تلك القيم، كما تتجاوز المتخلّف منها استناداً لتطور المجتمع والحياة.

ومن القوانين المدنية التي تجاوزت القيم الدينية والاجتماعية في الغرب (الذي نحّى الدين عن الدولة وتشريعاتها) قانون يُتيح للراغبين التبرّع بأعضائهم الجسدية للغير بعد الممات، وأُنشِئت بنوك خاصة تحفظ ما يتمُّ التبرّع به كي يستفيد منها أكبر عدد ممكن من الأحياء الذين يحتاجون لبعض هذه الأعضاء، لأن حاجة البشر في هذا المضمار الحسّاس ماسّة ومستمرة. أمّا في المجتمعات التي تحكمها مفاهيم وقيم دينية أكثر مما تحكمها نظم وقوانين مدنية، والتي حرّمت مثل هذه المسألة باعتبار الجسد ملك خالقه ولا يحقُّ للإنسان التصرّف به حتى بعد الموت، لأن ذلك يُشكّل اعتداءً صارخاً على مشيئة الخالق، فلا نجد أن هناك ثقافة تُشجّع تلك الحالة رغم انتشار ظاهرة تجارة الأعضاء البشرية فيها بشكل غير مشروع، تلك التجارة التي تزدهر في الكوارث الطبيعية والحروب بشكل مُريع، وهذا ما لمسناه وسمعنا عنه الكثير خلال الحرب في سورية وغيرها من بلدان شهدت حروباً مُشابهة.

صحيح أنه يجب احترام المفاهيم والقيم الدينية في كل المجتمعات، لكن يجب أيضاً النظر بعمق أكثر إلى تطور الحياة البشرية بما فيها تطور العلوم التي أتاحت زرع بعض الأعضاء البشرية من إنسان ميت في جسد إنسان يُعاني سُقماً غير قابل للعلاج في أحد هذه الأعضاء، فيلقى الشفاء من خلالها وتتجدد حياته وحياة الشخص الذي أُخِذَت منه بعض الأعضاء، ومن هذا المنطلق يجري في مجتمعاتنا التبرّع بالكلية مثلاً لأشخاص يعانون فشلاً كلوياً دائماً من مُقرّبين أو أشخاص غرباء مُناسبين من حيث الأنسجة والزمرة الدموية وما شابه، في الوقت الذي يُحرّم فيه دينياً التبرّع بالأعضاء بعد الممات. وفي هذا تناقض صريح يُعزّز ازدهار التجارة غير المشروعة للأعضاء البشرية في المجتمعات التي تُعاني الجهل والفقر الذي يدفع بالعديد من أولئك الفقراء للتبرّع ببعض أعضائهم من أجل المال، وهذا الجانب ظهر جليّاً وصريحاً في العديد من الأعمال التلفزيونية الدرامية التي تناولت قضايا الفقر والتخلّف في المجتمع بشكل يدعو الجهات المعنية والمسؤولة إلى معالجة مختلف تلك المسائل التي تُعيق تطور حياة الإنسان.

إن واقع الفقر الذي نعيشه اليوم لأسباب مُتعدّدة بات الجميع يعرفها، يفرض على الحكومات أولاً معالجته بشكل يتناسب وأبسط حقوق الإنسان في المأوى والطعام والصحة والتي تحضُّ عليها الأديان، مثلما عليها سنّ تشريعات تُبيح لهذا الإنسان التصرّف بجسده كما يشاء بعد موته علّه يُنقذ حياة إنسان فقير مُعدَم لا يملك قوت يومه بسبب تردي الأوضاع المعيشية، كما علينا نشر ثقافة التبرّع بالأعضاء بعد الموت لأنها تحمل في طياتها أبعاداً إنسانية، وفي الوقت ذاته تضع حدّاً لتجارة الأعضاء البشرية المُزدهرة اليوم أكثر من أيّة تجارة أخرى بسبب ازدهار الحروب والفقر والحرمان.

العدد 921 - 29/07/2020