حماية المستهلك واليد الخفية لرفع الأسعار

سليمان أمين:

(اليد الخفية) مصطلح أطلقه الاقتصادي الشهير آدم سميث، على آلية السوق، واسم اليد الخفية يعني أن آلية السوق تقوم بعملها دون أن يراها الناس، حيث تجري صفقات وعمليات تجارية كبيرة بهدف إيصال سلع محددة إلى المستهلك، وجميعها تجري في الواقع من خلال آلية السوق التي يحركها المتعاملون في تلك الأسواق لتحقيق مصالحهم الفردية في اقتصاد السوق الحر، أو كما أطلق عليها سميث: اليد الخفية، التي نعيشها اليوم بوضوح تام وجلي من خلال فرض التجار المتحكمين مصالحهم الفردية على أسواقنا.

فقد شهدت الأسواق السورية خلال الفترة الماضية ارتفاعاً كبيراً لأسعار المواد الغذائية والمكملات الأساسية المختلفة الأنواع, وترافق ذلك مع مضاربات بورصة الصرف السوداء للدولار الذي تخطى 950 ليرة سورية، مما انعكس سلباً على اقتصاد السوق، وأدى لركود وعودة التضخم بشكل كبير هذه المرة, مع غياب المعالجة الفورية من قبل وزارة التجارة الداخلية للأوضاع في سوق المستهلك رغم تصريحاتها وإحصاءاتها اليومية لعدد المخالفات والمحلات التي جرى إغلاقها, وأُسدل الستار بعد مضي ما يقارب الشهر عن رفع التسعير من قبل الوزارة نفسها للمواد الأساسية عبر نشرات تصدرها بشكل دوري ويومي, وفضلاً عن ذلك صالاتها المنتشرة في كل المدن، وقد ارتفعت أسعار موادها أعلى من أسعار السوق لبعض المنتجات. وقد قارناها من خلال جولاتنا المستمرة للأسواق وصالات السورية للتجارة.

 

التلاعب بالأسواق.. جرم قانوناً

يعتبر التلاعب بالأسواق تصرفاً جرمياً ومحظوراً في قوانين أغلب دول العالم، فقد صدر في سورية عام 2008 قانون لمنع وتخفيف حجم المنافسة في الأسواق بهدف إنهاء احتكار المؤسسات الحكومية لبعض القطاعات الاقتصادية حتى تكون المنافسة عادلة بين مختلف قطاعات الاقتصاد السوري، إلا أن حكوماتنا المتعاقبة حتى اليوم لم تستطع منع القطاع الخاص من ممارسة التلاعب أو الاحتكار الذي زاد عن حده وأصبح متحكماً حتى بالمؤسسات الحكومية, دون أي روادع أو محاسبة لتاجر واحد , وبعد صدور قانون 2008 تم منح بعض التجار المقربين والمدعومين من بعض المسؤولين  رخص استيراد أو تصنيع، بينما تم منعها عن غيرهم، بحجة عدم قدرة السوق على استيعاب مزيدمن المنافسة , وتحول واقع منح الإجازات في الفترة الأخيرة إلى الأسوأ وبقي مخصصاً فقط لهؤلاء التجار دون غيرهم, مما جعلهم يتحكمون بأسعار السوق، كما حصل منذ سنوات بمادة المتة على سبيل المثال، وأصبح التحكم اليوم واضحاً في كل المواد الضرورية للمعيشة من زيت وسكر ورز وطحين …الخ ، فقد  استطاع المستوردون فرض شروطهم بقوة على الحكومة، والتحكم بأسعار المواد الغذائية كلها، رغم تهديدات وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لهم لسنوات وتصريحاتها بالمحاسبة لمن يزيد السعر، وقد سمعناها كثيراً خلال الفترة الماضية  ولم يحصل منها سوى معاقبة وإغلاق محلات صغيرة أو ما نسميها بالدكاكين فلم نرَ محاسبة لتاجر كبير أو موزع أو مستورد، إضافة إلى تهديدات الوزارة بفتح باب الاستيراد لتجار,  إلا أن هؤلاء التجار المتحكمين  بالسوق حققوا مصالحهم ومازالوا متحكمين بكل منافذ سوق المستهلك السورية، وهذا أكبر دليل على وجود اليد الخفية في سورية، اليد الداعمة لهؤلاء الذي آخر همّهم القانون.

 

الدولار هو المسؤول عن رفع الأسعار

شعار التجار اليوم هو أن ارتفاع سوق الصرف هو المسؤول عن ارتفاع الأسعار, ولكن ما علاقة دولار السوداء وسوق المضاربات بالمواد الاستهلاكية إن كانت مدعومة من قبل دولار المركزي وفق نشرات واضحة من قبل الاقتصاد السورية والتجارة الداخلية, فدولار المركزي لم يرتفع ومازال بالسعر نفسه, فكيف ارتفعت اسعار السوق على دولار السوداء؟ وكم بلغت أرباح التجار اليوم مع العلم بأن جميع المواد موجودة ومخزنة منذ أشهر وليس لها علاقة بدولار المضاربين الخارجين عن القانون, هذه الأسئلة تحتاج للإجابة من قبل التجارة الداخلية والمركزي بشكل واضح, ومحاسبة صريحة وجلية للمتلاعبين وخلق تجار جدد ومنحهم إجازات استيراد لكافة المواد الأساسية للخروج من عنق الزجاجة الفارغة التي لم تعد تجدي أبداً , فالشارع السوري اليوم في أسوء حالته, وكثرة الضغط لن تولد خيراً، فهل يمكننا القول أيضاً إن اليد الخفية نفسها تحيك مؤامرتها الجديدة لتدمير ما تبقى, بما أن حكوماتنا المتعاقبة لم يخلوا تصريح واحد إلا احتوى على مصطلح المؤامرة , فمن المسؤول اليوم عن حياكة المؤامرة إن كانت إجازات الاستيراد مدعومة من قبل دولار المركزي وليس لها صلة بدولار السوداء , وكيف ارتفعت الأسعار وفق دولار السوداء ولم تبقَ وفق تسعيرة المركزي .

 

ختاماً

مع جولاتنا اليومية والمستمرة في الأسواق باتت محلات تجار الجملة شبه فارغة, وعندما تساءلنا قالوا لنا: (ليس هناك بضاعة كما لا يمنحنا الموزعون فواتير نظامية بالمواد الذي نشتريها والتموين تلاحقنا من جهة أخرى، فكيف لنا أن نعمل اليوم وتحت أي ضوء, إن كان أصحاب المصانع والتجار الكبار هم من يسعرون ولا يمنحون فواتير ولا يوجد من يحاسبهم.)

وبرسم الحكومة والتجارة الداخلية ماذا تفيد التصريحات اليوم دون علاج لأساس المشكلة؟ وماذا تفيد الاجتماعات مع التجار دون وجود للمحاسبة وفرض القانون الحكومي عليهم؟ فمازلنا دولة المؤسسات التي يجب أن تحمي مواطنيها لا أن تدفعهم أكثر لجهنم الفقر.

العدد 899 - 19/2/2020