عبَاءة السلطة!

ريم سويقات:

في طابور طويل مليء بالعبَاءات، يصطف الموظفون في المؤسسات الحكومية، متشوقين لارتداء عبَاءات السلطة بعد حصولهم على الوظيفة، غير مهتمين بوسعها أو ضيقها أو كيف تبدو للآخرين! ولكن تخلل هذا الطابور متنفس ضيق للمراجع بمن لم يرتدوها.

خلّف ارتداء العبَاءة هذه، تعالياً وتكبراً وسوء معاملة يشعر بها المراجع أمام الموظف. أمّا إذا كان الموظف برتبة قائد فستشعر أنك عدت إلى زمن سحيق كان السلطان فيه إلهاً، فحياة الجميع بيده! فالقيادة منحته قوة إضافية (السلطة) وهنا تداعت إلى ذاكرتي أيام حكم جمال باشا السفاح، كيف كانت ردة فعله عندما فهم بالخطأ من حارس سجن خان أسعد باشا أن شكري القوتلي انتحر، عندئذٍ ثار جمال باشا وغضب قائلاً:

كيف ينتحر دون أن آمر بذلك؟!

وعندما فهم من الحارس أنه لم ينجح في تنفيذ فكرة الانتحار، اطمأن السفاح وابتسم وقال: أنا أحدد حياة هؤلاء وموتهم. وقد كان يلقب بالغول وأحب لقبه، فقد أعطاه قوة يشعر فيها أن كل من يراه يرتجف!

أما اليوم فقد تغير الأسلوب من الأذى الجسدي إلى ما هو أشد رعباً: الأذى النفسي! فنرى مرتدي العبَاءة يعمل على تقزيم المُراجع وجعله يشعر بالضعف والذل وأنه بحاجته دوماً! فنجده يقول: عُد بعد ساعة، أو غداً، أو بعد أسبوع، وقد يرمي الأوراق في وجهه دون النظر إليه هذا عدا الألفاظ المشينة حيناً آخر. فقد أدهشني منذ فترة مشهد لطالبة جامعية تريد الانتقال إلى وحدة سكنية أخرى، فكانت إضبارتها في مكتب المدير، وبعد انتظاره مطولاً اعطته الأوراق المطلوبة، وبعد أخذٍ ورد ودون النظر إليها رفض طلبها وقال: (ما بدي نرفز حالي وأحرق دمي، عجبك عجبك، ما عجبك الله معك!)، ثمّ ناقشته الطالبة مبررة حاجتها للغرفة وأن منطقتها كانت محاصرة بفعل الحرب لذلك تأخرت .. فقال: (معك قرآن أحلف لك إنو ما في غرف! اللي بعدووو)!

والذي يفاجئ أكثر أن هذا الموظف هو في حالة المراجع نفسها وأكثر أمام من هم أعلى سلطة منه، إذ يتقبل كل شيء ليحافظ على فرصة بقائه في ظلّ سلطتهم، ويتصرف مع المراجع على هذه الشاكلة، ليدحض شعوره بالضعف وتعود إليه ثقته بنفسه!

كم سينتظر المراجع لانتهاء زحام طابور العبَاءات هذا ويتنفس بحرية أكبر؟!

العدد 895 - 22/1/2020