حكوماتنا تُغرّد خارج السياق الزمني والموضوعي

إيمان أحمد ونوس: 

المُتتبّع لحال حكوماتنا منذ ما قبل سنوات الحرب التي نعيش، مروراً بها وإلى اللحظة الراهنة، يجد أنها حكومات مُنفصلة أو بعيدة جداً عن واقع الناس الذين كانوا سابقاً، قبل اندلاع الحرب الحالية، ضحايا أجندات ووصفات صندوق النقد الدولي القاضية بالانتقال إلى اقتصاد السوق تحت تسمية واهية وواهمة (اقتصاد السوق الاجتماعي)، إذ جرى التنكّر للدستور من حيث عدم احترام حقوق المواطن الأساسية واحتياجاته. واليوم هم ضحايا حرب طالت نيرانها ليس فقط بيوتهم وممتلكاتهم، وإنما طالت وجودهم الإنساني عبر عقوبات اقتصادية فرضتها الرأسمالية المتوحّشة على الدولة بمختلف مؤسساتها، فدفع الناس ضريبة تلك العقوبات وتبعاتها، إضافة إلى ضريبة النهب غير المشروع لما تبقّى من خيرات أو مشاريع كان يمكن أن تنهض بهم من قاع الحرب وويلاتها. وعليه، لم يحظَ السوريون طوال تلك العقود بحكومات ترتقي بأدائها وسياساتها إلى المستوى الذي يستلزمه معالجة واقعهم المأساوي المُحتاج في كل لحظة إلى قلب حّار وعقل بارد ويد نظيفة وحنون تمتدُّ إليهم، لتكون عوناً وسنداً لهم في أفظع محنة مرّت بهم، بل على العكس، بقي التعامل الحكومي مع المواطن وما زال كما كان سابقاً، وكأن شيئاً لم يكن، وحين نقول بقي التعامل كما كان، نعني رفع الدعم الحكومي الذي بدأته حكومات اقتصاد السوق الاجتماعي، وما آل إليه ذلك من عواقب وخيمة على الشرائح الفقيرة والمهمّشة، في العقود التي سبقت الحرب، فكان أحد أهم الأسباب التي دفعت بالمتضررين للخروج إلى الشوارع والمطالبة بحقوقهم في العمل والدعم والضمان الصحي والاجتماعي.

ورغم أن المواطن تحمّل كل تبعات هذه الحرب بالمطلق (تهجير، نزوح، موت واغتيال واعتقال، ارتفاع نسب الفقر والجوع والبطالة والدعارة والتسوّل… الخ) إلاّ أن الحكومات المتعاقبة بقيت تُغرّد في فضاء من الوهم والقرارات غير المتناسبة والواقع المرير، سواء في تأمين أبسط الاحتياجات اليومية، في ظلّ الحصار الاقتصادي المفروض والذي لم يؤثّر إلاّ على المواطن نفسه، أو في الحفاظ على مستوى لائق للعملة الوطنية من أجل صمودها أمام جشع ثلّة قليلة من تجّار وسماسرة الحرب، الذين باتوا المتحكمين بقوت العباد وكرامتهم.

ويوماً بعد آخر، ورغم انحسار لهيب الحرب في غالبية المناطق، إلاّ أن الوضع المعيشي المأساوي للناس ما زال في هبوط وتدنٍّ مستمر، في ظلّ فساد طغى على كل مفاصل الحياة والدولة معاً، فبات علنياً رافع الرأس غير هيّاب من حساب أو عقاب، حتى باتت نقطة الماء أو المازوت أو الغاز حلماً صعب المنال لغالبية السوريين، وكأنهم يعيشون في زمن الجاهلية الأولى من حيث انعدام كل الخدمات المطلوبة من ماء وكهرباء وتدفئة وعلاج وأدوية و… إلخ، في ظلّ حرب اقتصادية يواجهونها هي أخطر بكثير من داعش وأخواتها، لأن حرب لقمة العيش والكرامة أشدّ وقعاً ومرارة وفظاعة وشراسة على نفوس الناس جميعاً. فإلى متى ستبقى هذه الحكومات خارج السياق الزمني والموضوعي لما يكابده أولئك القابضون على الجمر كي تبقى سورية قوية بهم تمنحهم كرامة افتقدوها في كل بقاع الأرض!؟

العدد 890 - 11/12/2019