كفانا قهراً وإذلالاً!

إيناس ونوس: 

غمرت الفرحة ابنتي حينما علمت بأني سأقبض الراتب، الذي بنت عليه الكثير الكثير من الأحلام والآمال، ذلك أنها اعتادت منّي على تأجيل معظم طلباتها حتى يحين موعد القبض، لكن سرعان ما انطفأ وميض الفرحة من عينيها عندما أدركت أنه لن يتحقق من كل تلك الأحلام إلاّ النزر اليسير، وبدأت رغم صغر سنّها تفهم أن هذا الضيف لا يرغب بزيارتنا لمدةٍ تطول أكثر من بضع ساعات، مع العلم أن شكواها تزايدت من عدم بقائنا معها في المنزل بالشكل المطلوب، نظراً لانشغالنا عنها بعدّة أعمال إضافية كي نتمكّن من الإيفاء ببعضٍ من مستلزمات المنزل الضرورية.،

نعم، عدّة أعمال إضافية، هذا حال السوريين غالبيتهم، يركضون في الليل والنهار حتى يتمكّنوا من تلبية بعضٍ من متطلبات بيوتهم وعوائلهم، وليتهم يستطيعون تأمين الضروريات بحكم الغلاء الفاحش الذي نعيشه، والوضع الاقتصادي الذي يزداد تردّياً يوماً بعد آخر، فوحوش السوق لم يعد يُشبع نهمهم شيء، والحكومة تصمُّ أذنيها عن كلّ الشكاوى والصراخ الذي يتعالى، ولا تقوم إلاّ بدور شرطي المرور الذي يقف مراقباً غير فعَّال إلاّ عندما تقع بين يديه إحدى الفرائس فيُطبّق عليها القانون الذي فُصِّل خصيصاً لمثل هذه الحالات.

إن من يتابع البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي تُعنى بشؤون العامة والمشاكل الخدمية، ويرى ويسمع ردود المسؤولين يظنُّ نفسه في بلدٍ آخر، حيث تتجلّى النزاهة والشفافية وتُخلق الحلول لكل المشاكل برمشة عين، بينما الواقع يقول العكس تماماً، فأيّة شكوى أو معاملة لا بدّ لها من الانتظار والانتظار حتى يرأف بها المعنيون إن رأفوا، أو إن قبضوا المعلوم، فتسير الأمور بالسرعة القصوى.

لم يعد الوضع المعيشي مقبولاً، فقد وصل حدّ الفقر في سورية إلى ما يقلُّ عن دولار واحد، بينما حدّدت المنظمات العالمية سقف حدّ الفقر لما يقارب الدولارين في الإحصائيات الأخيرة، في الوقت الذي يرتبط سعر كل شيء في السوق بالدولار حينما يرتفع سعر الصرف فقط، حتى الهواء الذي نتنفّسه بات محكوماً بسعر الصرف، غير أنه لا يرتبط به عندما يهبط سعره، وما على المواطن الكريم إلاّ الدفع ثم الدفع ثم الدفع، وما إن يحاول الصراخ حتى تتعالى الأصوات من حوله بأن الجميع سواء باعة أو تجار أو… مظلومين بهذا الغلاء وهو/المواطن الشخص الوحيد المطلوب منه محاربة هذا الظلم والغبن، غير آبهين بأنه أكثر مكوِّن من مكوِّنات المجتمع ظلماً واختناقاً، والطَّامة الكبرى هنا عندما تختلط الأصوات ويتصادم الناس فيما بينهم وكأنهم مسبّبو المشكلة الأوائل والمسؤولين عنها وعن إيجاد حلٍّ لها.

آن الأوان لأن تعترف الحكومة الموّقرة بهذا المواطن على أنه إنسان له أبسط الحقوق، فعلى الأقل أن يتمكّن من المأكل والمشرب والمسكن والعيش مع أبنائه فعلاً وليس مجرد مساكنة مؤقتة… غير أننا نكون من أكثر الحالمين إن اعتقدنا أنها ستجد الحلول لهذه المشاكل بينما هي وزبانيتها من يعملون على إذلال المواطن يوماً بعد آخر، غير آبهين بانتشار المزيد من الجرائم والسرقات والدعارة والتشرّد والتسوّل، عدا الأذيات النفسية التي تجعل من المواطن يسير في الشارع يكلّم نفسه وكأننا في مشافي المجانين.. فإلى متى سنبقى على هذا الحال؟

العدد 889 - 4/12/2019