لا إصلاح اقتصادياً وإدارياً في ظلّ ظاهرة (الاقتصاد الأمني)

سامر منصور: 

الوفاء والخيانة عاملان حاسمان حين تتعرّض البلاد للحروب والأزمات الطاحنة، وقد أعلن العديد ممّن يُسمّون اليوم (حيتان المال) في مختلف الدول العربية خيانتهم وأخذوا يمارسونها بشكل مُعلن تحت غطاءٍ من رؤساء أجهزة رقابية وجهات مختصّة فاسدين وشركاء لهم في استنزاف الاقتصادات العربية لصالح حساباتهم في البنوك الأجنبية، والطريف أن هؤلاء الخونة يستخدمون سياسة التخوين، كما تستخدم داعش سياسة التكفير، ليقمعوا القوى والشخصيات الوطنية بصدق، إلى حدّ أن عدداً من الشعوب العربية أطلق مُسمّى (دواعش الداخل) على الخونة الذين يدَّعون أنهم موالاة وشخصيات وطنية!! فما قيمة وفاء عامّة الناس ما دام هناك عدد من أصحاب القرار وكبار التجّار خونة؟ لا يهمّ حجم الدلو إن كان مثقوباً بكثرة.

إن طبيعة البلاد العربية حيث الأجهزة الأمنية وقيادات أحزاب كبرى يُكرّسون الوطن كمفهوم طوباوي عبر تحكّمهم بالإعلام والكثير من المسائل الأخرى، وعندما يصبح الوطن مفهوماً منفصلاً عن الواقع ويصبحون هم سدنة وكهنة هذا المُقدّس الذي اسمه الوطن، وتغدو هذه الجهات هي من يقرر من هو الوطني ومن هو غير الوطني، وتكاد توّزع صكوك الغفران على من تشاء، وتكاد تُقيم محاكم تفتيش وكأن الوطنية دين للوثن والأسطورة الحضارية التي يتحدّثون ويجعجعون عنها وهي محض ذكريات وماضي حاضري ملك للأجداد ومن صناعتهم.

بمجرّد أن يغدو هناك وطنان، وطن حزين منهوب منكوب جائع نازف كراسي حدائقه العامة أَسِرَّةِ وأرصفته أَسِرَّةِ للمهجرين. ومراكز الهجرة والجوازات هي أكثر المؤسّسات اكتظاظاً فيه، ووطن آخر خرافي خيالي مثالي اخترعته القيادات الكبرى للمؤسسات وتفرضه على عامّة الشعب بالقوة والرعب. فإن رأينا مواطناً أمام عدسة وسيلة إعلام عربية رسمية يُسأل عن الوطن وهو يقف على ضفاف نهر تعفّنت مياهه وأضحى مكبّاً للنفايات ومجمّعاً للحشرات وتهديداً بظاهرة وبائية، في العراق مثلا.. سيقول المواطن: الوطن هو الأم الحنون هو عرين الكرامة وحقول القمح الذهبية، هو البحر الأزرق والفرات العذب الجميل. رغم أن هذا المواطن كان يسدُّ أنفه من رائحة النهر قبل المقابلة، وإن كانت المقابلة قرب موقف باص قد يهرول المواطن خلف الباص في أيّة لحظة تاركاً الحديث عن الوطن، لكنه قد يعود للحديث عن (الوطن العظيم) إن فشل في معركة الولوج إلى الباص وسقط (مُتدعكِلاً) مثلاً.. باتجاه الكاميرا. بينما نرى الألماني أو البلجيكي يتحدث بموضوعية عن واقعه المعيشي رغم امتلاكه للعديد من الموضوعات للتباهي والافتخار بمباعث المجد والافتخار الموضوعية في وطنه. إن المواطن العربي يخاف أن يقول ما يلمّ به، يخاف من الإعلاميين ومن عابري الطريق حوله في الشارع وحتّى من الحيطان، فكما يقول المثل الشعبي (الحيطان إلها آذان)! ولكن إن تأملنا فالخوف ناتج عن حسبة بسيطة بين ايجابيات الكلام والتعبير، والعواقب التي يمكن أن تترتّب عليه، لكن العقل والمنطق يصمتان تماماً ولا يعود هناك مكان لأيّة حسبة حين تصرخ الأمعاء جوعاً، وهذا ما لم تفهمه الحكومات والسلطات العربية بعد على ما يبدو.

في الأنظمة العربية ذات الطابع الوصائي والبوليسي الأمني، لا يمكن القيام بإصلاح اقتصادي وإداري، وبالتالي هي ستبقى متخلّفة ومربع نفوذ لدول أخرى أو مشروع مربع نفوذ حكماً، وذلك لسبب جوهري ألا وهو (الاقتصاد الأمني) وما أعنيه هنا امتلاك شخصيات أمنية كبيرة أو شراكتها في الكثير من الاستثمارات الكبرى والمفصلية، حيث العديد من التجّار المعروفين وأصحاب الوكالات ليسوا سوى واجهة أو دمى في أيادي مسؤولين كبار. وهكذا يحلُّ الاحتكار مكان المنافسة التجارية والصناعية الصحية التي تفيد الاقتصاد الوطني وتنميه وتطوره وتوفر المنتجات للمواطنين بأسعار أقل. وبمجرّد تداخل المناصب والقرارات مع المصالح الشخصية تتصاعد وتيرة الفساد وينخفض أداء المؤسسات وتتحوّل السلطة إلى تسلّط وقمع وتشبيح، ويتمُّ إنشاء ولاءات أشبه بتلك المافيوية ضمن المؤسسات الرسمية التابعة للسلطة التنفيذية.. والنتيجة تغذية راجعة بين تضخم القوى الرأسمالية الفاسدة المُحتكِرة، والتسلّط والقمع. والمحصلة: شعب جائع. والمسألة التي قد تكون السلطات العربية غافلة عنها هي أن الكذب والشعارات والضخّ الإعلامي الذي يُمكيج وينفخ كل منجزات الحزب العربي الحاكم، لأنه تابع له لا بل ويشدُّ الترهلات المؤسساتية ويشفط السلبيات تعتيماً وتدليساً. المسألة هنا أن السياسيين المثقفين يستطيعون الاحتيال عبر الشعارات على أشباه وأنصاف المثقفين الذين يمكن أن يتمَّ إقناعهم أن هناك ضرورات للمرحلة تفرض تقشفاً وسريّة في التصرّف بمعظم ثروات البلاد، بينما العوام فهم ملتصقون جداً بالواقع ولا يؤمنون بشيء لا يُحدِث أثراً في واقعهم، ولا يسكتهم إلاّ الخوف وليس مزاعم السلطات العربية وذرائعها. وإن أضحى خوف الناس على قوت يومهم ومستقبل أبنائهم أكبر من خوفهم من أجهزة القمع العربية الرسمية، فستقع الكوارث التي شاهدناها في الجحيم العربي والتي لم ينجُ منها لا الشعوب ولا رجال السلطة والقيادات الأمنية والعسكرية والحزبية العربية.

إن سياسة الإفقار وعدم رفع عتبات الوعي الجمعي لأيّ شعب من الشعوب على مبدأ أن الكلب الجائع هو أكثر الكلاب طاعة، مبدأ أثبت خلال فترة الجحيم العربي أنه غير مضمون الجانب، فجعل الولاء لمن يملك الرغيف، وهذه مسألة استغلتها قوى إقليمية ودولية للإطالة في عمر ووتيرة الأزمات والحروب في الدول العربية. إن الفقر آفة الآفات، فالفقير مشروع داعر ومشروع مجرم ومشروع خائن مرتزق ومشروع إرهابي ومشروع متطرّف.. الخ، إنه عجينة تُشكّلها الأصابع ذات الخواتم الذهبية والتي تعرف كيف تُمسك السيجار الكوبي أيّا كانت جنسيتها أو أيديولوجيتها.. طبعاً ونحن لا نتحدث عن الفقراء عموماً بل عن الفقير الجاهل الذي لا يتمتّع بما يكفي من الثقافة والوعي للنظر أبعد من حواف (الطنجرة) والرغيف والسرير ورفوف الثلاجة.. وهذا حال معظم الفقراء العرب.

إن الجحيم العربي مسلسل ستتعدد أجزاؤه ما دام ليس لدينا تعدّدية حزبية حقيقية وفاعلة وإعلام مُتعدّد المرجعيات الوطنية وإعلام (قطاع خاص) يتمتّع بنسبة جيدة من الاستقلالية. المسؤولون الأمنيون الفاسدون الذين يمارسون الاستبداد لحماية نفوذهم وثرواتهم لا يمتلكون ثقافة بالتاريخ ولا يقرؤون الواقع بشكل عميق، فكل مسؤول أمني يحسب أنه قادر أن يدوس على من يقف في طريقه وأنه فوق السلطة والقانون، ولا يدرك أن الملكة ماري أنطوانيت وزوجها ومئات الطغاة الأشدُّ قوة وعظمة منه بمراحل سُحلوا أو أعدموا هم وعائلاتهم في نهاية المطاف. ويغترُّ الفاسدون من أهل النفوذ والسلطة فيحسب كل واحد منهم نفسه أذكى وأفهم من زملائه وأقرانه في البلدان العربية أو في بلده ذاته الذين ماتوا دوساً تحت أقدام الشعوب المغتاظة من القهر والجوع.

العدد 890 - 11/12/2019