حرب بلا صوت

مرح محمد نبيل السمكري: 

في فترة طفولتي كانت حرب العراق في أشدّها، وحروب فلسطين مُمتدّة لا تنطفئ، كنتُ أختلس النظر إلى شاشة التلفاز حتى أرى في الأخبار ما تعاني منه الشعوب، فتضع أمي يدها الحنونة على عيني خوفاً على سلامتي النفسية، فمناظر القتلى والدماء والأشلاء أقسى من قدرة تحمّل طفلة صغيرة، كبرتُ ووصلتُ إلى سنَّ المراهقة، وكل ما أعرفه عن الحروب أنها نيران عالية في السماء، ودبابة تسير فوق الأشلاء، وجندي مغتصب يشبه الوحوش، وركام يخرج من تحته بشر ضائعة الملامح، ولكن، وبعدما أصبحت في عمري هذا، ووصلت الحرب لتجلس بجواري، عرفت أنها أكبر من ذلك (على الرغم من كل أهواله) فكل قذيفة تسقط تُحدث حروباً اقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية ودينية، حروب لا تعرف معنى (هدنة أو معاهدة) بل إنها تمتدُّ لسنوات لا يعلم عددها أحد.

الحرب الاقتصادية التي شهدتها سورية مرعبة حرفياً، فقد انتقل سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار من 50 ليرة عام 2011، إلى 721 ليرة (لحظة كتابة هذا المقال) مقابل دولار واحد، وبشكل طبيعي ارتفعت أسعار كل السلع، لكن المُحزن حدَّ السخرية أن الدخل ما زال ثابتاً لا يتغيّر، فمتوسط راتب المواطن حوالي 40.000 ليرة سورية، علماً أن إيجار المنزل القابل للسكن البشري يأتي بحدود 100.000 ليرة، وسعر المعطف الشتوي حوالي 35.000، وكيلو غرام واحد من اللحوم تجاوز سعره 11.000 ليرة، قِس على ذلك أسعار الغذائيات والالكترونيات والضرائب ومشتقات النفط).

كل ما سبق اضطر المواطن السوري لأن يعمل بوظيفتين أو أكثر على حساب صحته وحياته الاجتماعية، أو أن يعمل بوظيفة لا تشبهه ولا تشبه أحلامه وخبراته، ففي هذه الحرب عليه أن يتشبّث بأيّة فرصة تردّ عليه القليل من المال، وتحت هذا السبب ماتت كثير من الأحلام وتعفّن المستقبل، أضف إلى ذلك انخفاض الكفاءة من الموظفين، وانخفاض الجودة في المنتج، لأن الشخص الذي يعمل لا يملك خبرة ولا معرفة فيما يعمله.

وحتى على صعيد التعليم، لعب غلاء الأسعار لعبة حقيرة جداً، فبدلاً من وجود الطالب في الجامعة وانهماكه في دراسته، تجده يعمل في وظيفة لا تمتُّ له بصلة بغية تأمين مصاريف الجامعة على أقلّ تقدير، وتبدأ رحلة الاستنفاد والرسوب والضياع الذي يقع به عدد كبير من الطلاب، أمّا في الحياة الاجتماعية فحدّث ولا حرج، أذكر جدّتي جيداً عندما كانت تقول (عندما يدخل الفقر من الباب، يخرج الحب من الشباك). وبالفعل يوجد كثير من المشاكل العائلية خاصّة بين الأزواج بسبب عدم الاكتفاء المادي وعدم القدرة على تأمين المستلزمات. وأمّا الرجل العازب فصار حلمه الأكبر أن يملك عملاً مستقراً ومنزلاً دافئاً وأن يتزوج ويربي عدّة أولاد، مع أن ما يحلم به حق لأيّ إنسان على هذا الكوكب إلاّ أن الفقر حوّله إلى حلم ما إن بلغته أو بلغت عتبته حتى تعتبر أنك الرجل العظيم القدوة القادر على تحقيق المستحيل.

الغلاء هو نتيجة طبيعية للحرب والحصار الاقتصادي، ولكنه وصل إلى مرحلة مبالغ فيها بسبب (تجّار الأزمة) الذين يضعون الأسعار التي تناسبهم من دون خوف أو خجل من حسيب أو رقيب، والحلُّ بسيط جداً بحاجة إلى تكاتف الشعب لمقاطعة المنتجات التي ترتفع أسعارها حتى تتكدّس لدى التجّار ويضطرون لبيعها بالأسعار التي تناسب الجميع (نحن فقط بحاجة إلى تكاتف).

العدد 890 - 11/12/2019