التنمر ظاهرة العصر

وعد حسون نصر:

التنمّر مفهوم اشتدّ في الآونة الأخيرة وخاصةً خلال فترة الحرب شمل المجتمع بكل شرائحه وأطيافه، ودخل إلى كل مكان وخاصةً المدارس، وتجلّى في سلوك عدواني متكرر يهدف للإضرار بشخص آخر عمداً سواء جسدياً أو نفسياً.

يتميّز التنمّر بتصرف فردي بطرق معينة من أجل اكتساب السلطة على حساب شخص آخر، من خلال التنابز بالألقاب، أو الإساءات اللفظية أو المكتوبة، أو الإساءة الجسدية، أو الاستبعاد من النشاطات والمناسبات الاجتماعية، ويمكن أن يتصرّف المتنمرون بهذه الطريقة كي يُنظر إليهم على أنهم محبوبون أو أقوياء، أو من أجل لفت الانتباه، ويمكن أن يقوموا بالتنمّر بدافع الغيرة أو لأنهم تعرضوا لمثل هذه الأفعال من قبل. أسباب كثيرة ساهمت في بروز هذه الظاهرة، ولعلّ للأسرة الدور الأكبر في تنشيطها وتعزيزها في شخصيات أبنائها من خلال بعض العبارات العنيفة أو الضرب الذي تُمارسه عليهم، أو أنهم حين يأتيهم ابنهم باكياً ويسألونه لماذا تبكي فيقول إن فلاناً ضربني، فتبدأ الأم والأب وحتى الإخوة بعبارات (روح اضربه، خلي الدم ينزل منه، شوِّه وجهه!).  ربما يظن الأهل أنهم يعملون على تقوية شخصية الطفل، لكنهم لا يدركون أنهم يصنعون منه مجرماً صغيراً وعنيفاً سوف يستخدم كل ما لديه من قوة لكي يؤذي الآخر، وسوف يعجبه الأمر، لاسيما إذا تمكّن من الفوز بإعادته دائماً وممارسته على الجميع وأولهم إخوته في المنزل، ربما تكون طريقة خطاب الأهل مع الطفل من وجهة نظرهم صحيحة ليمكّنوه من الدفاع عن نفسه وتكوين شخصيته، لكن بشكل عام هذا الخطاب مرفوض لأنه يؤدي إلى تكوين شخصية عدوانية.

لا يقتصر التنمّر على الأطفال فحسب، وإنما يسود بين شرائح أخرى من المجتمع مثل الرجال، ويتجلّى بألفاظ وسلوكيات غير مُحبّبة أو بالتقليل من شأن بعض الأشخاص رغم كفاءتهم. كذلك بين النساء كالسخرية من بعضهن بالشكل واللباس والمظهر أو حتى الكلام وأحياناً من خلال التوبيخ والشتائم لنساء أضعف منهن شخصية.

كل هذه الأشكال وغيرها من التنمّر تُمارس بشكل مستمر في مجتمعنا وخاصةً خلال فترة الحروب وحين تغيب الكثير من القيم والروادع، وأسباب كثيرة ساهمت في تعزيز هذه الظاهرة أهمها الفقر، الأسرة، الإعلام، وأسباب تتعلّق بطريقة التدريس في المدرسة. ولكي نحدَّ من هذه الظاهرة علينا أن نسرع في العلاج لكي نخلق مجتمعاً سليماً وبيئة سليمة لأبنائنا ولنا، علينا أن نبدأ العلاج منّا نحن في الأسرة وبعدها المدرسة من خلال توعية المعلمين والأهالي والطلبة بماهية سلوك التنمر وخطورته، وإشراك المجتمع المدني في محاربة الظاهرة، وإدراج التربية على المواطنة والسلوك المدني في المناهج الدراسية، وتشديد المراقبة واليقظة التربوية للرصد المبكر لحالات التنمر، ووضع برامج علاجية للمتنمّرين بالشراكة مع المختصين في علم النفس، وتوضيح حقوق جميع الأطراف وواجباتهم على شكل التزام يشارك الجميع في صياغته والتوقيع عليه، وتنظيم أنشطة موازية تهتم بتنمية الثقة بالنفس والتأكيد على احترام الذات، وتشجيع ضحايا التنمّر على التواصل مع المختصين في حالة تعرّضهم لسلوكيات التنمّر، وإثارة النقاشات مع الأبناء في البيت والتلاميذ في المدرسة لنتمكّن من التعرّف على شخصياتهم، كذلك استغلال اللعب من خلال لعب دور الضحية للإحساس بشعورها في موقف التنمر، خطوات كثيرة يمكننا استخدامها نحن الأسرة في الدرجة الأولى والمجتمع والمدرسة وحتى مؤسسات العمل العامة والخاصة لنحدّ من هذا الوحش الكاسر الذي يريد أن يلتهم مجتمعنا، لنتمكّن من خلال بيئة سليمة متحابة نوعاً ما أن نعيش فيها بسلام بعيداً عن تشوه نفوسنا بقذارات أخطرها التنمر بكل أشكاله.

العدد 889 - 4/12/2019