الفقر المادي… جهلٌ وانحلالٌ وتخلف

إيناس ونوس:

منذ الأزل عانى الإنسان من الفقر بأنواعه المختلفة والمتنوعة والمترابطة بعضها ببعض، غير أن إصراره على العيش والبقاء جعلاه يعتمد سلوكياتٍ وأساليب معيشية من شأنها أن تُقلِّص الفارق بين الوارد والمصروف، كمحاولةٍ لمحاربة الفقر أو الحدّ منه قدر الإمكان، هذه المحاولات لم تتوقف حدودها عند المستوى الشَّخصي بل اتسعت لتشمل المستوى العام أيضاً، فتصنيفات المنظمات العالمية وزَّعت الدُّول بين غنيةٍ أو متوسطةٍ أو فقيرة بناء على امتلاكها للموارد الطَّبيعة والبشرية والفكرية والاقتصادية و …إلخ.

من البديهي أن يكون كل ما تملكه الدَّولة حقّاً طبيعياً لمواطنيها، وعليها توزيعه بما يُحقق العدالة الاجتماعية ليحظوا بفرص عيشٍ لائقةٍ بهم كبشر، إلاّ أن احتكار بعض الحكومات وزبانيتها الحصَّة الأكبر تاركين النزر اليسير لتوزيعه على باقي أفراد الشَّعب يؤدي بالضَّرورة إلى انتشار الفقر، الذي ستكون نتيجته الحتمية ظهور مشاكل اجتماعية ونفسية وأخلاقية وتربوية وصحية و …إلخ لا حصر لها.

وهذا ما يحدث في بلدان العالم الثالث، التي يُعتبر بعضها غنياً بمقاييس التَّصنيف العالمي بحكم تنوُّع مواردها الطبيعية والبشرية، وربما وصل بعضها حدّ الاكتفاء الذَّاتي. غير أن اعتماد حكوماتها وسائل السَّلب والنَّهب واقتناص الفرص واستغلال المناصب لتكوين ثرواتٍ خاصَّة يجعل الفارق كبيراً جداً بين أفراد تلك المجتمعات، ما يؤدي إلى انتشار العديد من الظَّواهر غير الموجودة في الدُّول الغنية التي تعتمد أسلوب التَّوزيع العادل لكل المواطنين.

ومن أهم تلك المظاهر:

_ انتشار ظاهرة عمالة الأطفال وتسوُّلهم وابتعادهم عن الدِّراسة والتَّحصيل العلمي متخلِّين عن عالمهم الطبيعي الحالم والبريء.

_ تشرُّد العديد من الأفراد في الشَّوارع لعدم امتلاكهم مسكناً.

_ ازدياد مُعدَّل الجريمة النَّاجم عن الحاجة، وانتشار ثقافة مجتمعية تعتمد مبدأ الحاجة تبرر الوسيلة، فتكثر الرشاوى والسَّرقة والدَّعارة و… الخ.

– انعكاس الفقر المادي على كل جوانب الحياة الأخرى، فالإنسان الفقير يسعى بكل ما يمتلك من قوة لتأمين أساسيات ومستلزمات حياته وحياة أسرته، وبالتالي لن يتمكن من امتلاك الوقت اللازم للقراءة التي ستزيد من مداركه، أو متابعة نشاط ثقافي يُفضّله أو ممارسة هوايةً يحبها أو تحقيق حلم يرغبه، لعدم قدرته على تخصيص مصروفٍ خاص لمثل تلك النَّشاطات التي باتت غالية الثمن بالنسبة له، فثمن كتاب واحد أو تسعيرة بطاقةً لحضور أحد النَّشاطات بات يوازي ثمن عدَّة مستلزمات أخرى لباقي أفراد العائلة، وفي هذه الحالة سيُفضّل مصلحة الأسرة التي تعتبر أكثر أهميةً على حساب مصلحته الخاصة، والتي إن حققها ستعمل على تخفيف بعضٍ من التَّوتر والتَّعب الذي يعيشه لتأمين كل ما هو مطلوب منه في سبيل بقاء المجموع على قيد الحياة.

كل ذلك ينعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية، فحين يزداد الطلب على مادة ما مثلاً ويقلّ عرضها عن سابق إصرار من قبل المسؤولين بغية زيادة مكاسب التجّار، سنُعايش انتشار الجريمة والدَّعارة والسَّرقة كمبرراتٍ للحصول على الضَّروريات، إضافةً إلى الانحلال الأخلاقي والتدهور الثَّقافي والتَّربوي والصِّحي لمجتمعٍ غالبية أفراده يهتمون فقط بتأمين الخبز والتَّدفئة وبعض الدَّواء. صورٌ متنوِّعةٌ وكثيرةٌ لا يمكن حصرها للمظاهر التي سببها الأساسي هو الفقر المادي وضيق ذات اليد، والمؤلم أن بلاداً غنيةً بمواردها وإمكانياتها وطاقاتها سواء الطَّبيعية أو البشرية قادرةً على تأمين كل ما يتطلَّبه الجميع، غير أن وجود ثلّةٍ من اللصوص والجشعين الذين يعيشون على مبدأ (أنا ومن بعدي الطُّوفان) في مراكز القرار هو ما يجعلنا نعيش فقراً لا مثيل له وبأسوأ مستوياته وأشكاله، كما يؤدي إلى ما يحدث على المستوى العالمي، حين يتصدى صندوق النقد الدَّولي والقائمون عليه لمحاربة فقرنا بأدوات تخدم مصالحهم المباشرة، بمنح المساعدات التي تبقي تلك البلدان وشعوبها أسيرة الذُّل والمهانة، سواء بسرقة مقدراتها الطبيعية أو بمحاولات إغراء أبنائها بالكثير من المغريات المتوافرة لديهم ليتركوا بلادهم ويهاجروا إليها بحثاً عمّن يحترم طاقاتهم ويُفجّرها، لكن، خدمة لمصالحها الذاتية.

بالتأكيد، لم يخلُ عصرٌ من وجود الفقراء والمحتاجين الذين كانوا مصدراً للعديد من الدِّراسات والأدبيات وغيرها، فكانت المقولة الشَّائعة الشَّهيرة للإمام علي بن أبي طالب: (لو كان الفقر رجلاً لقتلته) خير مثال، أو ما كان يقوم به الصَّعاليك ومنهم الشَّاعر عروة بن الورد فيما مضى حينما سرقوا من الأغنياء ليطعموا الفقراء، ما يؤكد أن بالمقدور محاربة الفقر والجوع بكل معانيه إن توفَّرت الرَّغبة الحقيقية والقدرة على تطبيق المساواة والعدل الحقيقيين بين كل أبناء المجتمع، من خلال الاعتراف بالآخر ككائن له من الحقوق كما لغيره وعليه ما عليهم من واجبات.

العدد 886 - 13/11/2019