الفقر مرض العصر وفزّاعة الشعوب

وعد حسون نصر:

يُعتبر الفقــر سبباً رئيسياً من أسباب الجمود والركود، كما أنّه من أهم عوائق التقدم، ويغدو في الحقيقة علّة العلل، باعتباره عصاً في عجلة سير نهضة الشعوب الفقيرة والمُتخلّفة. أسباب كثيرة تقف بوجه سطوع حضارة أيّ بلد، لعلّ أشدّها الفقر لأنه نتيجةً لعدم تكافؤ الفرص، والتمييز بين النّاس في الحقوق والواجبات.

أسباب كثيرة تقبع خلف الحروب، كما هو حال بعض بلدان العالم الآن، لكن الفقر هو أهم تلك الأسباب التي تنشأ في بعض الأحيان عن الأزمات الاقتصادية والعوز المادي، وقلّة الموارد المُتاحة للأفراد، العقوبات والحصار الذي تفرضه الدول الكبرى على بعض البلدان الفقيرة أو الصغيرة، واحتكار الثروات والسيطرة عليها من قبل بعض الحكومات الفاسدة والمتنفذين، وبالتالي حرمان باقي الفئات من الاستفادة منها ومن استثماراتها، ممّا يؤدي إلى وجود فئات غنية، لكنها قليلة العدد، بالقياس إلى الفئات الأكبر الفقيرة.

إن ضيق ثقافة المجتمع وعدم إدراكه لحجم الكارثة الناجمة عن الفقر، إضافة إلى الأسباب التي ذكرناها وغيرها هو ما يؤدي لسيادة وزيادة حدّة الفقر، وهنا نُدرك حجم الآثار الناجمة عن هذا المرض ُالعضال في اعصرنا: (الفقر)، وهي آثار تنخر في جسد المجتمع، ولكن الشريحة الأكثر تأثّراً بها هم الأطفال، فعلى سبيل المثال الأطفال الذين ينشؤون في بيئات فقيرة يُعانون من مشاكل صحيّة بشكل مستمر ومتكرّر أكثر من الأطفال الذين ينشؤون في ظلّ ظروف ماليّة أفضل، فالعديد من الأطفال الرُّضّع المولودين في أُسر فقيرة لديهم وزن منخفض عند الولادة، كما يمكن أن يكونوا أكثر عرضةً للموت قبل إتمامهم عامهم الأول، وهذا يرتبط بالعديد من المشاكل الجسديّة والإعاقات العقليّة التي يُمكن الوقاية منها لو أتيحت للأهل ظروف مادية أفضل. وأيضاً الأطفال الذين ينشؤون في بيئة فقيرة يميلون إلى التغيّب عن المدرسة في كثير من الأحيان بسبب المرض، ولديهم نسبة من الإصابات المتنوعة الأخرى أعلى بكثير من الأطفال الآخرين، فقد يكون لديهم ضعف في الرؤية والسمع، وفقر الدم بسبب نقص الغذاء والحديد على وجه الخصوص، ومستويات عالية من الرصاص في الدم، يمكن أن تُضعف وظيفة الدماغ. كذلك تسرّب الأطفال من المدرسة للعمل من أجل سدّ العوز داخل الأسرة ممّا يؤدي إلى ارتفاع نسبة الأميّة وعمالة الأطفال في المجتمع.

أيضاً، من نتائج الفقر تلك التّصدّعات الأسرية، وانتشار الرذيلة، والتشوّهات الاجتماعية مثل الانحراف، والأمراض النفسيّة والجسدية، وارتكاب الجريمة المتمثلة في السرقة والقتل والاعتداء على حقوق الآخرين ممّا يُنذر بانهيار المجتمع. لذلك نلاحظ دائماً أن المجتمعات الفقيرة تُعاني من النقص بكل المستلزمات سواء الصحية أو المعيشية وحتى الثقافية، وهذا يؤدي إلى النقص في الكادر البشري السليم نفسياً، لما للفقر من انعكاس سلبي على الحالة النفسية وخاصةً بين صفوف الأطفال والشباب، الذين سوف تتجه أنظار غالبيتهم للهجرة من أجل التمتّع بحياة كريمة وعيشة أفضل، وهذا ما حلّ بسورية خلال حربها الدّامية، فقد ساد الجهل وانتشرت الجريمة بأنواعها كما  تفاقمت حالات التشرّد والأمراض الجسدية والنفسية والتعنيف بشقّيه الجسدي والمعنوي، إضافة إلى ازدياد الهجرة التي كانت لافتة. لذلك لابدّ من معالجة كل هذه المظاهر والأمراض المادية والجسدية والنفسية كي نحيا في مجتمع سليم ومُعافى من كل النواحي، مجتمع يتمتّع أطفاله قبل شبابه وشيبه بصحة نفسية سليمة، ولتحقيق ذلك يجب أن تلتزم حكومات الدول النامية بالقيام بواجباتها من خلال وضع خطط وطنية لمعالجة الفقر، وتقديم التبرعات، والاستفادة من الموارد الطبيعية وخاصةً الزراعة وتوظيفها لتأمين قوت الشعب، وتقديم مبالغ صغير مساعدة للشباب لإقامة مشاريع تساعدهم في تأمين احتياجاتهم المادية والمعرفية، وتأمين مبالغ مساعدة لمن هم في سنّ التعليم بكل المراحل من الابتدائية للجامعية. كل هذا سوف يُسهم نوعاً ما في الحدّ من ظاهرة الفقر التي ينتجُ عنها مشاكل كثيرة في المجتمع. ولا ننسى أنه لكي نحيا في سلام وصحّة نفسية سليمة علينا أن نقتحم مكامن الفقر وخاصةً في منازل المسنين وبين الأطفال لنكون مجتمعاً مُتّجهاً نحو الحضارة والتقدم، مجتمعاً خالياً من مرض العصر وفزّاعة الشعوب ألا وهو الفقر.

العدد 886 - 13/11/2019