الفقر المادي يحمل فقراً أخلاقياً وثقافياً وعلمياً

مرح محمد نبيل سمكري:

بدأتُ يومي بشكله الاعتيادي: فنجان قهوة وصوت فيروز: (في أمل إيه في أمل!)، حاولت أن أتجرّع قليلاً من الإيجابية مع قهوتي، وقليلاً من الأمل مع فيروز، وأعددتُ عُدّتي لمواجهة الألم الذي سألقاه خارج باب المنزل، وخرجت متوجهة للعمل. مررتُ بجانب البقالة، فاستوقفني رجل يقول للبائع: (أعطني ثلاث بيضات، وزيت بلدي بـ 300 ليرة، وجبن بـ 200 ليرة)، كيف يشتري هذه الكميّات، مع أني أعرف أن هذا الجار عائلته كبيرة ولا يكفيها هذا القدر من الطعام! سرتُ متوجّهة إلى موقف الحافلة، انتظرتها مع عشرات المنتظرين، لمدّة ربع ساعة، وما إن أتت حتّى انصبّ الناس عليها وكأنها البُراق الذي سيأخذنا إلى الجنّة، كيف لا وهي توفّر عليهم أجرة وسيلة نقل خاص؟ جَلَسَتْ على الكرسي الذي يجاورني امرأةٌ ستينية، ظهر تعب الدهر على يديها القاحلتين، والألم في عيونها، تحمل في يدها صوراً وتحاليل طبية، بعد لحظات معدودة بدأت حديثها معي وكأنها كانت تنتظر أن تلتقي بأيّ كائن بشري حتى تشاركه همومها، قالت: ( أُنهِكَتْ أقدامي وأنا أنتظر الحافلة، علماً أنّي مُتعبة في الأصل، كنت في المشفى الحكومي وأخبروني أنّني بحاجة إلى عملية جراحية صعبة، لكن يجب أن أنتظر سبعة أشهر حتى يأتي دوري، ولا أملك المال لأتعالج في مشفى خاص، ألا يكفيني أن بيتي دُمّر بصاروخ، والآن أعيش مع ثلاث عائلات في منزل واحد!). بقيت تُمطر عليَّ همومها وأنا لا أملك سوى بعض كلمات المواساة السخيفة التي لا تُسمن ولا تغني من جوع. على الكرسيين الخلفيين جلس صديقان، قال أحدها: (تقدّمتُ إلى الآن لعدّة وظائف، ولم أُقبل في أي منها مع أني أملك شهادة جامعية إلا أن لغتي الإنكليزية ضعيفة جداً، ومهاراتي في الحاسوب معدومة، وكل الوظائف تشترط اللغة والمهارات الحاسوبية، ولا أملك المال لألتحق بدورات تدريبية، مضى عامٌ وأنا أبحث عن عمل، لكن دون جدوى، يبدو أن الهجرة هي الحل، لكنني لو كنت أملك نفقات الهجرة لما فكّرت بها في الأصل. في هذه اللحظات، صعدت طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها، تبيع المناديل، التصقت بأحد الركاب وتوسلت إليه أن يشتري منها، وفجأة انهال عليها الرجل بالشتائم والصراخ، وطالب بطردها خارج الحافلة، بذريعة أنه غاضب وليس له قدرة على التحمّل.

وأخيراً وصلتُ إلى مكان عملي وقلبي يعتصر من هذا السيناريو اليومي الذي يتكرّر باختلاف الأبطال، هل من المعقول أن ألتقي في طريقي الذي استهلك 20 دقيقة هذا الحجم من الآفات والهموم التي تعصف بحياة الناس: انعدام في الأمن الغذائي، والأمن الصحي، حرب وتهجير وأزمة علم وثقافة، كارثة البطالة والهجرة، وانعدام الإنسانية والعطف على الآخرين! والبذرة التي أنبتت كلُّ هذه المصائب هي (الفقر).

تُرى هل يعقل أن تتحوّل سورية من تلك الدولة الغنية التي صنّفتها الأمم المتحدة عام 2010 من بين الدول المُحقِقَة لأهداف الألفية العشرية في القضاء على الفقر، إلى بلدٍ يعيش 50% من شعبه تحت خط الفقر؟ هل يمكن أن يصبح 33% من عائلات الشعب السوري في حالة من انعدام الأمن الغذائي؟ كيف لا وقد ارتفعت الأسعار بنسبة 1000%؟! لقد تغلغل الفقر في تفاصيل الحياة، فكم من مريض مات بسبب عدم قدرته على تأمين نفقات العلاج!  وكم من شخص تفاقمت أمراضه بسبب عدم قدرته على شراء الأدوية!، وكم من عائلة تعيش في منازل غير صالحة للسكن البشري بكل المقاييس، بسبب الفقر!، وكم من كم نريد أن نسألها!

لقد أتى الفقر المادي حاملاً معه فقراً أخلاقياً وثقافياً وتعليمياً، فطلاب المدارس الحكومية اليوم يعيشون أكبر إجحاف في حقّهم من حيث المناهج والتجهيزات وطريقة التعليم، فكيف يستطيع المعلم أن يتفانى في عمله ومرتّبه 18 ألف ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادل 30؟! كيف يمكن أن يتقبّل الطفل التعليم مع غياب الوسائل التوضيحية والتعليمية والترفيهية، بسبب عدم القدرة على توفير ما سبق؟ ماذا ننتظر من الجيل القادم الذي لم يأخذ حقّه من العلم؟! وكيف لشاب في مقتبل العمر أن يخضع لتدريبات أو يكمل دراسات عليا وهو لا يملك قوت يومه؟ تُرى كم نسبة الأشخاص الذين يُتقنون عدّة لغات أجنبية ومهارات حاسوبية عالية تُسهّل لهم الحصول على فرص عمل؟ قليلة جداً بالطبع، فالتعليم المجاني لا يُتيح لك فرصة تعلّم ما سبق. كم من طاقات شابة وأدمغة عظيمة اختارت الهجرة على البقاء في وطنٍ لا يُقدّم لها سوى مُرتّب زهيد يكفيها لطعام وشراب فقط؟ كيف له أن يبني مستقبلاً في هذا الوطن؟ من أين سيؤسّس منزلاً وعائلة وعملاً خاص؟

أما بالنسبة لقضيّة الفساد التي تؤرّق الجميع، والتي تصبُّ في المجال الأخلاقي والإنساني، فنتمنى أن يُحاسب كل مرتشٍ، ولكن ماذا لو فكّرنا في المشكلة من جذورها؟ أليس من الأولى أن نصل بالموظف إلى الإشباع المادي عن طريق مُرتّبه ثم نُحاسبه على الرشوة؟ إن حلّ مشكلة الفقر يعني تطوراً في التعليم والثقافة والصحة والأمن الغذائي، يعني أنك عندما تسير في الشارع لا يعتصر الألم قلبك على أحوال الناس، ولا ترى الحاجة في عيونهم والقلّة بين مساماتهم.

العدد 886 - 13/11/2019