فقرٌ ثقافي وجوعٌ للوعي

غزل حسين المصطفى:

وأنا في طريقي إلى مكتب الجريدة، أُفكّر في موضوع المقال، قطع سلسلة أفكاري صوتٌ لشابٍ يجلس إلى جواري (أنا حابب تكون شريكة حياتي، بس هي بدها ترهن حياتي للمظاهر) وجرت محادثة طويلة بينه وبين صديقه، كان يبدي امتعاضه من طلباتٍ باتت تفوق القدرة الطبيعية لأيّ شابٍ مثله، ورغم أنني فتاة لكنّني وجدتُ أن الحق معه، بل وكل الحق، فقد بات الأمر جنونياً في الفترة الأخيرة، لأننا امتطينا صهوة ( البريستيج والموضة) دون أدنى تفكير بحالنا وبما يناسبنا، إذ تفرض معطيات الحالة الدّارجة أن تكون الأمور برّاقة باذخة لتعبّر عن فخامة الشّخص المعني مهما كانت ظروفه المادية سيئة، فتحوّل مشوار الفتيات من (تمشاية مع كاسة بوظة) إلى حجز في مطعم تجلس فيه الصّديقات يلتقطنَّ الصّور التي تُنشر على صفحاتهن الخاصّة على مواقع التّواصل الاجتماعي تعبيراً عن سعادةٍ وحبٍ جمعهنَّ، ولكن للأسف قد يمضي الوقت في التّصوير قبل أن تُبادر إحداهن في طرح سؤال واحد لتطمئن عن حال من تُجالسهنّ.

قد يكون هذا أبسط مثال يحمل العديد من المعطيات، فضلاً عن حياة زوجية تُزخرف بالحب في صور على موقع (الأنستغرام) وحالة تضامن سياسي مصحوبة بخطاب رنّان على موقع الفيسبوك، وصورة سوداء للملف الشخصي على موقع الواتساب في حالة وفاة قريب لنا.

دون أن نُغفل الهوس غير الطبيعي الذي يُرافق الجيل في التّشبّه بل والتّحوّل إلى تلك الشخصيات المشهورة، حتى بات الكل نسخة واحدة في قَصّة الشّعر ونوع الموسيقا المُفضّل واللون الأفضل.

ولكن هل كلّ هذه المظاهر وغيرها تُناسب الحالة المادية للجميع، بغضّ النّظر عمّا إذا كانت تُناسب الكلّ في بقيّة التفاصيل؟

ما الذي ساقنا إلى هنا؟

كيف تحوّل الخوف من أن تتغيّر صورتنا أمام زملائنا والمحيط، إن لم نكن قد حفظنا الدرس جيداً ونلنا أعلى الدرجات، هذا الخوف الذي كان حافزاً لنا لنجدّ ونتميّز دراسياً، تحوّل إلى تنازلٍ واضحٍ يقبل فيه الجميع بمسمى (أهبل) و(خاروف) والكثير من المُسمّيات المُهينة، ولكنها لا تُعتبر هكذا عند هذا الجيل، وإنما هي حضارة وتفكير مُنفتح وحرية!

دون أن أتناول الفقر المادي الذي بات ينهش الشعب بوحشية، يوماً بعد يوم، فهذه الفكرة هي حديث الشّارع السوري حتى الأطفال يراقبون سعر الدولار، ويتساءلون هل هناك أمل في زيادة الرواتب أو انخفاض الأسعار؟! ودون أن أتطرّق لمُعطيات الحياة المعيشية التي يُرثى لها، قد يكون الأجدر بي بعد ما أسلفته في بداية هذا المقال أن أفرد الحديث عن فقر ثقافي واجتماعي، عن جوعٍ للوعي وحاجة ماسّة لأن نُرقّع صورتنا المُهترئة، نحن اليوم في أبشع وأصعب حالات الحاجة، قد ضرب البعض بالمُثل العليا عرض الحائط لأنها تجعل منه (دقّة قديمة) والكتب المصفوفة على الرّف تُتمّم ديكور المنزل لا أكثر، حيث تكون القراءة حالةٌ مُملّة وهي للمثقف وصاحب الجرائد فقط.

كيف يُمكن لذلك المراهق أن يُهين شيبة ذلك الرجل في الحافلة من غير وجود سبب وجيه، ويرفع صوته قائلاً: (طالع من الحبس جديد، بشطبك وبرجع، لا تكبّر بالكلام، واحترمني!).

لا يمكن إنكار أن الفقر المادي أو ربما ظروف الحرب التي مرّت بنا ومنعكساتها التي نعيشها اليوم كان لها الأثر الأكبر فيما يجري، ولكن ألم نُخلق بعقل يُفكر!

هل غسيل الدّماغ سيُجدي مع حالنا نفعاً؟

هل يمكن أن نحذف هذا الجزء من تاريخنا؟

هذا الذي يُسمّى انفتاحاً ويراه البعض انفلاتاً وضياعاً وموتاً للبشرية، كيف يمكن أن نجد له دواءً إن لم يكن هناك قناعة تامّة بأن الحالة غير صحيحة وبحاجة إلى ضبط.

كلامي لا يعني أن نُلغي الأنترنت ونعود للقناديل الزيتية، بل هو غصّة تُريد أن نكون أمّةً وسطاً، لا نُسرف، لا نُساق، لانُخدع، بل نُحكّم العقل ونمضي.

على أمل!

العدد 886 - 13/11/2019