بوح موسيقي

غزل حسين المصطفى:

صباحٌ جديد في مكتب الجريدة وصوت السّيدة فيروز كان يُغذي جزيئات الأوكسجين في المكان، حتى غدت أنفاسي أكثر لذة لرئتي وحالة السّعادة تعمّ كلّ خلية مني.

هي الرّشوة الصّباحية الأكثر نفعاً معي.

دخل أحدهم المكان وعقّب قائلاً:(لم تعد أغاني فيروز تحدث فيّ تلك المشاعر القديمة، لا أتفاعل معها اليوم كما كنت قبل، ما السر في ذلك؟ هل انتهت صلاحية المشاعر؟!).

ابتسمت وفاض لساني لا شعورياً بكلام غزلٍ يصف غرامي بألحان الرحابنة وصوت العظيمة، وبدأت أشرح حالة الحب معها: (يأخذني الحنين معها إلى أماكن لم أزرها بعد، وذلك البيت الصغير في كندا كيف سيكون من حوله كل المدى، وبابه من غير مفتاح، وهل نامت ريما؟

وشادي ما حاله الآن!؟ وعن حنينها ونار شوقها الذي يتقد قبس منه في صدري حين تقول: (بشتقلك ما بقدر شوفك ولا بقدر إحكيك… بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك… بجرّب إني إنسى بتسرق النسيان…حبّيتك تَ نسيت النوم). عاشت معنا كل تفاصيل نفضات القلب بالحب والفراق والأسى، اختصرت مسافاتٍ بعيدة بآهٍ تزفر بها، فينقشع ضباب ألف دمعة منا).

وأكملت شرحي مستشهدةً بمجموعة مقاطع من أغانيها: (ياهمّ العمر، يادمع الزهر، يامواقد العصافير، تَ نكبر بعد بكير، كبر البحر وبعد السما بحبّك يا حبيبي بحبّك، الغنا سرّ الوجود، وأنين الناي يبقى بعد أن يفنى الوجود…).

قطع الحالة صوت الهاتف المحمول لذلك الشخص، هي أغنية لفيروز تملّكت نغمة رنين هاتفه، فابتسمت مجدداً وقلت إنها الرفيق في كل مكان.

ثم عدت لنفسي أسألها: كيف لكلمات ولحن أن تبعث في روحي المشاعر، وتخلد في ذاكرتي صوراً لأماكن مجهولة ورائحة ما مررت بها مسبقاً؟

تذكرت كذلك ملحمة دارت في رأسي حين كنت أسمع لحناً موسيقياً لبتهوفن، كيف أنّني لبست فستاناً من لون السماء مطرزاً بالنجوم أمسك بيدي موج البحر ورقصنا رقصة كلاسيكية تتناسب مع الألحان، انتهت المقطوعة ورحت ألتقط أنفاسي، فجولة الرقص تلك حرّكت الدماء في عروقي وأنا مازلت جالسة على كرسيٍ خشبي في زاوية غرفتي مُغمضة العينين.

وحين بكيت عمي يوماً كانت الدّموع لا تُطفئ ناري وتخرج بركان حزنٍ تملكني، وفجأة مرّ بيتٌ شعري سرق أنفاسي، كان يُلخص كل الحالة ويشبع حزناً يأكل من قلبي.

وهنا فكرت، أن تحدث الفرق أغنية أو قصيدة خير من أن أكون تائهة لا أعرف لإحساسي مفتاحاً. نعم، مفتاحٌ وسحريٌ أيضاً يأخذني نحو عالم آخر أو يسرقني من حالة تملكتني وما عرفت نهايتها.

تفاصيل قد تكون بمثابة صديق ورفيق للدرب يُعرفنا بأنفسنا ويقرّبنا من ذواتنا أكثر، ولا نترك لصدفة تعصف بنا لنفرغ طاقاتنا ونُنزل حمولة الحياة الثقيلة.

بالمختصر: (المغنى حياة الروح.. يسمعها العليل تشفيه!).

العدد 882 - 16/10/2019