70 عاماً.. فهل ستستمر مسيرة الصين؟

سامي أبو عاصي:

سبعون عاماً من الجهد والكدح المستمر من أجل رفعة الأمة وإعلاء شانها بين الأمم خاضها الحزب الشيوعي الصيني. سبعون عاماً واجه فيها الشعب الصيني متاعب كثيرة، ولكن كان يحدوه الأمل بأن يضع وطنه بين قمة الأمم، فمن فقر مدقع كان يلفّ أرجاء البلاد، إلى معدلات نمو عالية، مترافقة بتنمية ضربت جذورها في أعماق البنية التحتية المتينة الني ربطت بين الشمال والجنوب، مهيِّئة البيئة الاستثمارية الملائمة لاستقطاب الرساميل، مدعمة بقوة عاملة آمنت بأنها مصالحها مترابطة بشكل عميق مع حزبها الشيوعي الذي يمثلها، فآمنت بخططه التي رسمها وخاصة تلك التي تبناها في عام 1978 تحت شعار الانفتاح والإصلاح، والتي بدت في سنواتها الأولى انزياحاً عن المرجعية الفكرية المتمثلة بالماركسية التي سار عليها الحزب الشيوعي لعقود طويلة، فكان الجواب واضحاً بأننا قادرون على أن نخلق ماركسيتنا الخاصة التي تتلاءم وواقع بلادنا ومستوى تطورها، فكانت الاشتراكية ذات الخصائص الصينية التي كان شعار مروِّجيها: دع الواقع يحكم على مسيرة عملنا!

اليوم، تتهيأ البلاد لاستقبال الذكرى السبعين لتأسيس الدولة بعزيمة أقوى مما سبق، مع علم يقين بأن الزمن القادم سوف يكون أكثر ثقلاً من الماضي.

90 ألف مواطن من مختلف الشرائح الاجتماعية والمهنية يستعدون للاحتفال الضخم الذي سيقام في ساحة (تيان آن من). تسعون ألف شخص سيقدمون عروضاً متتالية تعكس وجه الصين الجديد، ما بين القوة والصرامة والثبات على الساحة الدولية، والسلام المنشود الذي يتطلع إليه مشروع الحزام والطريق، الذي ترعاه الصين وتفتح من خلاله أبوابها نحو دول العالم، للتعارف والتمازج والبناء المشترك لمستقبل رغيد للبشرية جمعاء.

على عتبة هذا اليوم تبرز الأسئلة الملحة حول قدرة الدولة على مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية:

فحتى اليوم الراهن، استطاعت الدبلوماسية الصينية الناعمة أن تتعامل مع التحديات الخارجية بذكاء واضح، وضعها في موضع القريب من كل الأطراف حتى تلك التي تتوجس منها، وتدري بأنها تعمل جاهدة لإخفاق مسيرة تنميتها. فمن الحرب التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي برزت في الأشهر الماضية كنقطة جوهرية خلافية بين الطرفين، وما تلاها من رفع الرسوم الجمركية المتبادلة (وفق مبدأ التعامل بالمثل)، ومحاولة التضييق على كبرى الشركات الصينية ومنها (هواوي)، إلى النزاع الحدودي مع الهند والمحاولات الدائمة لوضعه ضمن إطار السيطرة، والسعي لحله بشكل سلمي من خلال تعزيز الزيارات المتبادلة بين المسؤولين من الطرفين،  إلى غيرها من القضايا الحساسة الأخرى، كانت الصين قادرة على تسييرها وفق رؤية أن زمن اليوم يحتم على الآخرين رؤيتنا بعين الشريك وليس التابع.

ولكن تبقى التحديات الداخلية هي الجوهر، وأي خلخلة لبنيانها سوف يكون له تأثير سلبي على مجمل الكيان، الذي يظهر رغم تنوعه الشديد بأنه متماسك ويغلب المصلحة الوطنية على كل الاعتبارات الأخرى.

إحدى هذه التحديات تتعلق بهونغ كونغ (أو ما تسمى لؤلؤة الشرق، ويبلغ عدد سكانها 7 ملايين نسمة) هذه المقاطعة التي بقيت تحت الوصاية البريطانية حتى عام 1997 حينما استطاعت الصين استعادتها. الصين كانت على دراية تامة حينذاك بأن إعادة اندماج هونغ كونغ مع البر الصيني أمر ليس بالأمر السهل، فطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها هونغ كونغ في إطار تطورها ضمن السيطرة البريطانية تختلف تماماً عن تلك التي سارت عليها الدولة الأم الصين. لذلك سعت الصين إلى وضعها ضمن إطار قانوني خاص (دولة واحدة ونظامان) بحيث أنها تتبع للدولة من ناحية الأمور الخارجية والدفاع، ولكن هناك قوانين خاصة تبقى سارية المفعول هناك تختلف عن طبيعة القوانين السارية في الصين.

لم تكن بريطانيا التي خضعت لمسار تغير التاريخ مع صعود (التنين الصيني) قادرة على الإبقاء على استحواذها على هونع كونغ، ولكنها كانت تترصد للصين حتى يحين الوقت المناسب كي تعيد إعادة خلط الأوراق.

لذلك فأن ما شهدته المدينة مؤخراً كان دليلاً واضحاً على أن بريطانيا ما يزال لها أذرع في الداخل تستطيع أن تحركها وأن تدير توجهها، في سبيل إخلال الاستقرار الذي تنعم به الصين على مدار العقود الأربعة الماضية. حتى هذه اللحظة فإن الصين ما زالت تراقب بحذر شديد مجريات الأمور هناك، وهي تدعو القوى الغربية إلى عدم التدخل في هذه القضية على اعتبار أنها شأن داخلي يخص الصين وحدها، وأنها لن تقبل أن يستمر الوضع على ما هو عليه بأن تشل حركة المقاطعة بالكامل، مما يعرض مصالح كثيرين للخطر.

القضية الثانية التي تبرز بين حين وآخر متعلقة بمنطقة شينجيانغ. وهي المنطقة التي توجد فيها قومية الإيغور ذات الغالبية المسلمة، ويراود بعض سكانها أفكار الانفصال وبناء مقاطعة مستقلة، وهذا ما ينفيه الواقع الجغرافي للمقاطعة أو التاريخي لها.

الصين التي تنظر إلى هذه المقاطعة على أنها جزء لا يتجزأ من أرضها، وتوجه نحوها المزيد من الاهتمام والتنمية وتطوير التعليم لرفعة سوية المواطنين، الذين تحرضهم أفكار أخرى على مناوأة هذه البرامج، وتحض أبناءهم على عدم الاندماج فيها، وهو ما يترك أثراً سلبياً على مستقبل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويضعها خارج إطار سلسلة التنمية المتصاعدة التي تجري وفقها المدن الصينية الأخرى.

الدول الغربية التي تريد تقويض استقرار البيت الداخلي الصيني تسخر أدواتها الإعلامية الضخمة في سبيل إظهار أن الدولة الصينية تنتهك حقوق الإنسان في تعاملها مع سكان هذه المقاطعة، وقد حاولت بعض ماكيناتها الإعلامية أن تصور مراكز التدريب والتعليم المهنية على أنها مراكز سجون يجري فيها التعذيب، في حين استقبلت الصين وفوداً دبلوماسية من دول عربية وغيرها إسلامية ووسائل إعلام زارت شينجيانغ لتبين أن هذه المراكز أنشئت   في تلك المنطقة لتعليمهم اللغة الصينية والقوانين الصينية، وإيجاد مهن عملية لهم تخرجهم من حالة الانعزال وتدمجهم مع المجتمع الصيني الكبير.

تبقى القضية الثالثة وهي متعلقة بتايوان أعقد من ناحية المضمون من القضايا السابقة وهي الجزيرة التي ما لبثت أن شكلت لنفسها حكماً ناوأ الحكومة الصينية على مدار السبعين عاماً الماضية، وبرزت سخونة الموقف فيها مؤخراً عندما أظهرت الولايات المتحدة نيّتها إبرام صفقات أسلحة مع تايوان، وهو الذي تراه الصين انتهاكاً صارخاً لمبدأ (الصين الواحدة).

تبدو اللوحة التي أبرزنا عناصرها في هذا السياق متباعدة بالشكل، ولكنها في المضمون مترابطة بشكل عميق، ولهذا فإنها تحتاج إلى إبداع وابتكار لحل مجمل هذه القضايا، يوازي ما أبدعت فيه الصين في المجالات الأخرى، من مجال الاقتصاد الرقمي وتحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية وغيرها.

فعلى الأسس التي سوف تحكم حل هذه القضايا يتوقف الكثير من الأمور.

العدد 993 - 19/01/2022