على هامش تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري

د. منير الحمش:

بمنهجية علمية رفيعة، وبحس وطني عال، أعدّت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري الموحد هذا التقرير، الذي يعدّ، بحقّ، وثيقة وطنية تتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الدولية والعربية والداخلية، فهي تعرض هذه الأوضاع وتحللها وتشرحها، وتضع النقاط على الحروف، دونما استطراد لا طائل منه، ودون أن تفقد (البوصلة).

يشمل التقرير أربعة فصول:

في الفصل الأول: يتحدث عن الوضع الدولي الراهن، والوضع العربي والإقليمي، وصولاً إلى الحرب السورية والأوضاع الداخلية في سورية.

وفي الفصل الثاني: تفصيل للوضع الاقتصادي والاجتماعي في سورية، مستعرضاً لأوضاع القطاعات الاقتصادية: الزراعة، الصناعة، الطاقة، الوضع المالي والنقدي، البيئة، ثم يعرض لمسألة إعادة الإعمار، ومسألة الأجور والأسعار، ثم يعرض نقطتين هامتين هما: الفساد وإصلاح القطاع العام، والوضع الطبقي.

ويستعرض بعد ذلك دور الحزب في طرح القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ويقدم رؤية الحزب في تجاوز آثار الحرب في سورية وعليها.

وفي الفصل الثالث: يتحدث عن الحزب كتنظيم سياسي جماهيري، وعن المبادئ التي تحكم مسيرته الحزبية والجماهيرية، منتهياً في هذا الفصل إلى بيان مبادئ تنظيم الحزب.

أما في الفصل الرابع والأخير فقد خصص لعرض بعض القضايا الفكرية والنظرية، بهدف إزالة الالتباسات الحاصلة لدى تداولها من قبل البعض. وهذه القضايا هي: المواطنة، المجتمع المدني، الدول المدنية، الديمقراطية، العلمانية، تحالف قوى اليسار.

منتهياً إلى الإعلان الواضح والصريح بما لا يقبل التأويل عن التزام الحزب بالاشتراكية.

وفي تعليقي في هذه العجالة، أود أولاً أن أشير إلى كثافة الجهد الذي بُذل في إعداد التقرير، وإلى شموله لقضايا متعددة تمس أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال نظرة موضوعية إلى الأوضاع الدولية والعربية والإقليمية. فلا شك أن التقرير أصاب في هذا العرض، عندما وضع ما أصابنا بسبب (الحرب / الأزمة) في إطار أشمل وهو الإطار الدولي والعربي والإقليمي، فلا يمكن عزل ما حصل عما يجري في العالم، وفي المحيط.

وأشير ثانياً إلى أنه من الصعب مناقشة جميع الموضوعات المطروحة بتفاصيلها، نظراً لتعددها، وتعدد مفاعيلها، وتشابك عواملها، لهذا سأقصر تعليقي على عدد من الموضوعات الجوهرية، ويأتي هذا على سبيل إلقاء المزيد من الضوء والإيضاح أو تقديم وجهة النظر نفسها من منظور آخر.

 

أولاً ـ مسألة سقوط وحدانية القطب

أحسن التقرير عندما أطلق تعبير (مرحلة انتقالية)، ذلك أن أغلب ما تعانيه البشرية اليوم ناجم عن (مفاعيل) هذه المرحلة، فهي تتسم بتمسك الولايات المتحدة بوحدانيتها في قيادة العالم، وهيمنتها على شعوب العالم ودوله، في مقابل صعود الصين وروسيا (وباقي الدول الناهضة) ورغبتها في نزع سيطرة الولايات المتحدة على النظام العالمي، والوقوف في وجه تعنّتها ومطامعها.

ورغم تراجع الولايات المتحدة، سياسياً واقتصادياً ونفوذاً، إلا أنها مازالت تصرّ بتعنّت على قيادتها الأحادية للنظام العالمي، يساعدها في ذلك:

– جشعها الذي لا حدود له.

– قوّتها العسكرية.

– قدرتها غير المحدودة على إصدار عملتها (دون غطاء ذهبي أو إنتاجي)، واعتماد الدولار كوسيلة نقد احتياطي عالمي.

ورغم أن الصين تكاد تنقلب اقتصادياً على أولوية الاقتصاد الأمريكي، فإنها لاتزال في موقع متأخر عسكرياً وفنياً (في مجال المعرفة والمعلوماتية) في مواجهة القوة العسكرية والتقدم التقاني والمعرفي الأمريكية.

أما روسيا، فإنها عسكرياً تكاد أن تساوي أو تزيد عن القوى العسكرية الأمريكية، إلا أنها تتراجع عن الولايات المتحدة والصين اقتصادياً وتكنولوجياً، إلا أنها تمتلك موارد طبيعية هائلة (المكتشف منها وغير المكتشف).

وما يصيب دول وشعوب العالم اليوم هو حصيلة المرحلة الانتقالية نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، فهذه المرحلة يحكمها التعنت الأمريكي من جهة، ورغبة باقي شعوب العالم من جهة ثانية، ووصولنا إلى هذا الاستنتاج يجعلنا أقرب إلى الموضوعية والواقعية، وأبعد عن الأوهام والأحلام، وأكثر تحسباً لما يمكن أن تلجأ إليه الولايات المتحدة من أساليب عدوانية في محاولاتها التي لا تهدأ لضمان استمرار سيطرتها وهيمنتها على النظام العالمي.

 

ثانياً  الصراع العربي  الصهيوني وقضية فلسطين

يستحق معدّو التقرير التحية على إعادة تصويب الموقف من مسألة الصراع العربي – الصهيوني، عندما اعتبر أن الموقف من هذا الصراع هو (البوصلة التي تؤشر إلى الكثير من المسارات السياسية الأخرى في المنطقة)، لأنهم بذلك يزيلون أي التباس في مواقف سابقة سواء من قبل الحزب أو من قبل الاتحاد السوفييتي السابق، فغالباً ما كانت ترتبط مواقف الحزب بما يتخذه الاتحاد السوفييتي من مواقف.

وقد أجاد التقرير في تسليط الضوء على نقطة الضعف في الجانب العربي من الصراع، وهي نجاح الولايات المتحدة (ونقول والصهيونية) في فصل المسارات العربية عن المسار الفلسطيني عبر الاتفاقات المنفردة، وصولاً إلى (صفقة القرن) وما يمكن أن أشير إليه في هذا المجال أن التقرير الذي يعبر عن وجهة نظر شعبية واسعة عندما يشير إلى تحرير (جميع الأراضي العربية المحتلة) ويطالب باستعادة حقوق الشعب الفلسطيني في (العودة إلى أرضه، وتقرير مصيره عليها، وبناء دولته الوطنية المستقلة وكاملة السيادة على الأراضي الفلسطينية عام 1967 وعاصمتها القدس)، وهذا ما يردده الخطاب الرسمي العربي، ولكن الحزب (كتنظيم سياسي جماهيري) كنت أتوقع منه ألا ينسى كامل فلسطين. من جهة أخرى، لم يتوقف التقرير عند محاولات التطبيع التي تقوم بها بعض الدول الخليجية، والتي تشكل خرقاً مفضوحاً للحقوق العربية، ولا يبررها قيام بعض الأنظمة (الأردن ومصر) بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع إسرائيل تتضمن الاعتراف بها وتبادل السفراء، ذلك أنه مهما عقد من اتفاقات بين الأنظمة والكيان الصهيوني، فإن الشعوب العربية لا يمكن أن تقبل بوجود ذلك الكيان أو التطبيع معه.

 

ثالثاً ـ الوحدة العربية

وهنا أيضاً يُحسن التقرير في عرض هذا الموضوع، والموقف من الوحدة، ففي ذلك أيضاً تصحيحٌ لما كان يُتداول، بعد موقف الحزب الشيوعي من الوحدة السورية – المصرية، ومن الانفصال، كما أن (تقديم) رأي الحزب بالوحدة على أنها ضرورة موضوعية لحماية هوية الأمة العربية ومواجهة الأخطار الخارجية والخروج من دائرة التخلف، هذا الموقف يعد موقفاً متقدماً وصائباً في هذا الوقت الذي تتعرض فيه القضية العربية لشتى الانتكاسات والتآمر، كما أنه موقف متميز عندما نجد بعض الأصوات (النشاز) التي تشكك بهويتنا القومية، وتبحث عن هويات أخرى إقليمية شرقية أو قومية سورية، أو تسترجع التاريخ بهويات مفتعلة تغطي النزعات المذهبية والطائفية والعنصرية.

إلا أنني أختلف في طرح موضوع (حقوق الأقليات)، ولو أنني أوافق التقرير في رأيه حول الديمقراطية والمشاركة الشعبية، والتمتع بالحقوق الثقافية والاجتماعية، وبخصائصها الذاتية (في إطار وحدة المجتمع).

إن المواطنة الحقة والمشاركة في الحياة السياسية، ووحدة البلاد شعبياً وجغرافياً، واحترام حقوق الإنسان، كل ذلك من شأنه إلغاء فكرة (الأقلية)، والواقع أن طرح موضوع وجود (أقليات في سورية) يقود إلى تقسيم المجتمع ويقضي على وحدة السكان، ولا يحل أية مشكلة من مشكلات (المكونات المجتمعية).

ومن هذا المنطلق، لاحظت أن التقرير لم يتعرض لمشكلة (الكيان الكردي- الكلدوآشوري) الأمريكي الصهيوني التقسيمي في شرق الفرات والجزيرة السورية، في حين أن هذا المشروع (القديم – الجديد) سوف يؤدي إلى تمزيق وحدة البلاد جغرافياً وبشرياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فضلاً عن دوره في مشروع آخر هو المشروع الأمريكي (الشرق الأوسط الكبير).

إن للحزب الشيوعي تاريخاً نضالياً في الجزيرة السورية، ناضلنا معاً ضد الأحلاف الغربية وضد الحشد التركي وضد غلاء الكهرباء وضد مشروع النقطة الرابعة، ولكننا اختلفنا في (المشكلة الكردية)، فقد ضم الحزب الشيوعي المئات من الشباب الأكراد السوريين، وأرسلهم خارج البلاد إلى الاتحاد السوفييتي وألمانيا الشرقية، وعادوا بشهاداتهم ليسهم قسم منهم فيما يدعى (إدارة الحكم الذاتي).

وفي الوقت ذاته، تدفق آلاف الأكراد من تركيا تاريخياً، ولم نسمع من الحزب الشيوعي موقفاً متميزاً في هذا المجال، وكان القسم الأكبر من هؤلاء من أتباع (أوجلان) يحملون شعارات الماركسية اللينينية، ولم نسمع أو نقرأ شيئاً صريحاً لهؤلاء الذين سرقوا شعارات الحزب.

صحيح أن التقرير يطالب بتحرير الأراضي التي لاتزال تحت الاحتلال الأمريكي وحلفائه في شمال شرق سورية، لكنه لا يفصح عن المشروع الذي تبناه الاحتلال الأمريكي لحلفائه.

القضية الكردية مسألة سورية داخلية، وحلها هو الحل الذي طرحه التقرير: الديمقراطية والمواطنة والمشاركة، وليس (إدارة ذاتية) بحماية أمريكية تنتهي إلى التقسيم.

 

رابعاًـ المبادئ الأساسية للدستور

انطلاقاً من تلمّس الحزب، في هذه الوثيقة، كما في وثائقه السابقة، جوهر الأزمة العميقة، والمتعددة الجوانب التي تمر بها البلاد، والتي يراها في (التناقض بين الصبغة السياسية التي تدار بها البلاد منذ عدة عقود ومتطلبات الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يحتاجه إليها المجتمع السوري)، إن تلمّسه لجوهر الأزمة على هذا النحو، جعله يقترح رؤية صائبة، تستجيب لمتطلبات مواجهة الأزمة وتداعياتها، ويتمثل اقتراح الحزب في مجموعة من المبادئ أجد من الضروري التركيز عليها، والبلاد مقبلة على جولة مباحثات دستورية، في إطار ما يروّج له حول (اللجنة الدستورية) ويختصر العنوان التالي الرؤية الدستورية للحزب:

(الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية – مدنية- علمانية- ذات سيادة تامة- والشعب في سورية جزء من الأمة العربية).

وإلى جانب هذا، من المفيد أن نذكر بعض المبادئ المقترحة:

– التأكيد على استقلال الدول ووحدتها أرضاً وشعباً.

– نظام الحكم في الدول (نظام جمهوري).

– حماية التنوع الثقافي للمجتمع بجميع مكوناته.

– القيم الإنسانية والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان مكفولة بالدستور.

– حظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي.

– الفصل التام والواقعي بين السلطات الثلاث: التشريعية- القضائية- التنفيذية.

– سيادة القانون والمساواة أمامه واستقلال القضاء والمحاماة أساس الحكم في الدولة.

– الجيش والقوات المسلحة مؤسسة وطنية مسؤولة عن الدفاع عن سلامة أرض الوطن وسيادته الإقليمية.

– توفر الدولة جميع الفرص للمرأة للمساهمة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

– الجنسية السورية حق لكل من ولد من أب سوري أو أم سورية (وحق الأم السورية في منح ولدها الجنسية أمر هام يحمد عليه الحزب في إثارته).

– الربط بين مفهومي التنمية والعدالة الاجتماعية.

– اعتماد الاقتصاد التعددي الذي تقوده الدولة عبر خطط تنمية اقتصادية واجتماعية متكافئة.

– الملكية الخاصة مصونة، لا تُنزع إلا للمنفعة العامة مقابل تعويض عادل.

– الصحة والتعليم وتشجيع الرياضة مكفولة من قبل الدولة.

ويلاحظ التقرير أن هذه المهام الوطنية والطبقية (الاقتصادية والاجتماعية) والديمقراطية – مندمجة معاً اندماجاً عضوياً، مما يتطلب النضال من أجلها جميعاً. ومن المهم أن نشير إلى أن هذه العناوين الاقتصادية تعلن (القطع نهائياً مع الليبرالية الاقتصادية الجديدة)، ويؤكد التقرير على أن (الدفاع عن حرية الوطن واستقلاله وسيادته ووحدته أرضاً وشعباً، تبقى هي القضية الأساس في أولويات النضال). ويشير التقرير، عن حق، أن الحرب العدوانية الظالمة على سورية لم تنتهِ بعد، مما يتطلب نهجاً حكومياً مختلفاً، وأراه خاصة في انتهاج سياسات اقتصادية تتناسب مع اقتصاد الحرب.

 

خامساً  الأزمة السورية

يولي التقرير أهمية بالغة لهذه الأزمة، ويعيدها إلى أسباب وعوامل داخلية (لعبت دوراً أساسياً) وإلى تدخل قوى إقليمية ودولية عديدة، وسيطرة هذه القوى على قواعد ومناطق هامة من الأرض السورية.

إن وجود القوى والمصالح الخارجية يجعل (من المستحيل التوصل إلى حل نهائي للصراع دون اتفاق أو توافق بين معظم الأطراف الفاعلة فيه) كما يقول التقرير، وهو محق في ذلك، بعد دخول العديد من العناصر الخارجية.

هذا إلى جانب أن إعادة الإعمار تخضع للمنطق نفسه، مما يعرقل حتى الآن التوصل إلى حل للصراع الدائر يضمن مصلحة الشعب السوري الذي لايزال يدفع الأثمان الباهظة، في حين أن الرابح الأكبر هو إسرائيل.

وهنا يؤكد التقرير (إن الحل النهائي للصراع لا يمكن أن يكون عسكرياً، رغم الأهمية القصوى لهذا الجانب في مواجهة القوى المعادية على اختلاف أنواعها)، ولهذا يرى أن الحل النهائي هو حل سياسي يضمن استقلال الدولة السورية ووحدتها أرضاً وشعباً، في مواجهة جميع محاولات التفرقة أو التقسيم، كما يضمن حق المواطنين في اختيار نظامهم السياسي وقادتهم استناداً لدستور ديمقراطي.

 

سادساً ـ في استعراضه للوضع الاقتصادي والاجتماعي، يضع يده على أهم القضايا الضرورية والتي تستحق الاهتمام، ومنها تدني المستوى المعيشي للمواطنين، وأوضاع القطاعات الاقتصادية، والأمن الغذائي، مما يستوجب مراجعة السياسات الزراعية (قبل الأزمة وخلالها) والوقوف على أسباب تراجع دور الزراعة، وإصلاح القطاع العام، وحل مشكلات القطاع الصناعي، خاصة ما يتعلق بنزوح وهجرة العديد من العاملين والفنيين الصناعيين والحرفيين، هذا فضلاً عن معالجة مشكلة الطاقة.

وفي استعراضه للوضع المالي والنقدي، يلاحظ التقرير زيادة الإنفاق العام الحكومي مع نقص الموارد واستنزاف الاحتياطات النقدية، وما أدى إليه الوضع من تضخم وارتفاعات متوالية في الأسعار الرائجة، وارتفاع غير مبرر لسعر صرف العملة الوطنية.

وإذ يشـير إلى بعض إجراءات الحكومة في هذا المجال، يطالب بمجموعة متكاملة من الإجراءات الاقتصادية والمـالية والنقدية، في مقدمتها تشجيع الصـادرات وترشيد المستوردات، واعتـماد سعر واقعي ومقبول للحوالات المالية وتطـوير التبادل التجاري والتعامل بالعـملة الوطنية بدلاً عن الدولار.

وبعد تزايد ظاهرة الفساد، التي يلاحظها التقرير، يؤكد أهمية تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام 2019-2020 التي أقرتها الحكومة، ويشير إلى تصاعد دور الفساد الكبير الذي يحتكره مسؤولون وشخصيات معروفة من أصحاب النفوذ الواسع والمتعدد الأشكال.

ويقول التقرير إن غياب التعددية السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والمجالس التمثيلية المنتخبة ديمقراطياً، شكّل بيئة صالحة لنمو الفساد بأشكاله المختلفة، وانطلاقاً من ذلك فإن الحزب يعتبر مكافحة الفساد واجتثاثه معركة طبقية وسياسية واجتماعية وإنسانية في آن واحد، مما يستوجب مواجهتها من مختلف الجوانب وعدم اقتصارها جزئياً أو كلياً على جانب واحد.

 

سادساً ـ القضايا الفكرية

لقد أجاد التقرير في عرض بعض القضايا الفكرية والنظرية، وهذا نهج يشكر عليه، خاصة أن بعض هذه القضايا تتعرض للتشويه من قبل البعض لأغراض سياسية أو شخصية أو طائفية.

وإذ أشاركه الرأي فيما يتعلق بالمواطنة والمجتمع المدني والدولة المدنية والديمقراطية وتحالف قوى اليسار والعلمانية، والالتزام بالاشتراكية، فإنني أتوقف عند إشارته الأخيرة حول الاستفادة من تجارب التوجه الاشتراكي السابقة والحالية، بما يتلاءم مع ظروف بلدنا، والسير قدماً باتجاه التخلص من الممارسات السلبية والبيروقراطية، لجهة ربط العدالة الاجتماعية بالديمقراطية السياسية، ونبذ أساليب الإقصاء والتفرد واحتكار السلطة من أي حزب، وإشاعة الديمقراطية، وإنشاء جبهات وتحالفات واسعة وتعددية سياسياً واقتصادياً متوازنة.

 

أخيراً..

أرى أن هذا التقرير يعتبر خطوة متقدمة على طريق الحوار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وهو يفسح المجال واسعاً لمشاركة ثقافية – فكرية – سياسية، من شأنها الارتقاء بالعمل السياسي وإغناء الحياة السياسية.

وكنت أتمنى أن يتضمن التقرير نقداً موضوعياً لتجربة مساهماته في الحكومة ومجلس الشعب والجبهة، كما كنت أتمنى أن أجد فيه تطويراً لمفهوم الماركسية اللينينة بما يتلاءم مع التطورات الحاصلة في السياسة والاقتصاد والثقافة، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية هذا التقرير كوثيقة وطنية تستحق التقدير.

العدد 886 - 13/11/2019