عدنان كنفاني: أنا خيط في نسيج القضية

أحمد علي هلال:

في مجموعته القصصية الأخيرة، الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب بعنوان (الوارثون)، لا ينتهي حديث الأديب والكاتب الفلسطيني الراحل عدنان كنفاني، عن الوجع وسرديات الألم الفلسطيني كما السوري، في مدونة تنضاف إلى مدوناته الأولى التي تواتر فيها وهج القضية الفلسطينية ليصطفي منها سردياته المنتخبة، أي ما يقارب فيها الثيمات التراجيدية لمسيرة شعب وقضية وجدليتهما في المعيش، إذ تتنوع محكياته السردية اتصالاً بواقعية جديدة لا تتماثل مع الواقع بالضرورة، ولكنها تذهب إلى اشتقاق ما يعادلها في الفن والرؤيا والحساسية انطلاقاً من تصعيد الحس الشعبي، لشخوصه التي تمثلها في معنى علاقتها، إن كان على مستوى الرواية أو القصة القصيرة أو المسرح، وذلك ما طبع عوالمه بنكهة خاصة، نجد لها معادلاً في الخصوصية والأسلوبية التي تفرد بها، مستأنفاً تقاليد السرد الفلسطيني بنزوعه الحداثي، إذ أضاف لها عدنان كنفاني أبعاداً أخرى، لعل مجموعته الأخيرة كانت خلاصتها الأثيرة ارتباطاً بما أسس له في أعماله الأولى: (قبور الغرباء، وعلى هامش المزامير، وبدّو، أخاف أن يدركني الصباح، رابعة، خبز الروح) وغيرها الكثير، مما يعني أن عدنان كنفاني الذي شُغل بالهم الوطني والإنساني، وما يوازيهما من تعالق بشعرية سردياته ومحكياته، كل ذلك يدلل على حضور قضيته في مديات إبداعه المتعدد والمختلف، والناهض بشواغل الإبداع.

ظل هاجسه الرئيس تأريخ سيرتين تماهتا في إبداعه ولم تنفصلا أبداً في نسيج ما كتب وبحث، وأرقته مكابدات إبداع ظل مفتوحاً على احتمالاته، سيرته المندغمة بسيرة فلسطين، والتي بدت روايته (بدّو) مثالاً ساطعاً في هذا السياق، لتكون ولادته، كما يقول، (على شفير أسلاك حيث قذفته الفجيعة خارج أشيائه الحميمة)، ليبدأ سيرته مع الحرف ومع اللغة، وعياً سيتجاوز في كتاباته ذاته باستمرار، التي تعرفناها زمنياً بوجهها الإبداعي عام ،1998 حينما نشر كتابه الأول عن أخيه الشهيد غسان كنفاني (غسان كنفاني صفحات كتاب مطوية)، وتوالت أعماله ترجمة لأمثولته (أنا خيط في نسيج القضية)، وذلك الخيط الذي رأيناه ينسج ويلون تلك العوالم القصصية والروائية لعدنان كنفاني، تعدد ليجعل منه خيطاً في نسيج مدونة سردية فلسطينية كبرى، جعلت من أسئلة الإبداع الفلسطيني في المنفى والشتات أسئلة الجدارة والاستحقاق، بمعنى حضور ذلك الإبداع مؤرخاً صيروراته على نحو فتح في آفاق الإبداع، وحايث تطورات القضية الفلسطينية بوصفها المرجعية التي أخصبت سرديات الإبداع الفلسطيني، وحملتها إلى غير أفق يسائل خصوصيتها وفرادتها، بل حضورات أصواتها التي أسّست لوعي إبداعي جديد، جعل من القضية ونبالتها ما يوازيها من ارتقاء في الأدوات والممكنات الإبداعية، وحرّر المعنى من كتابة فلسطينية منتمية ليس بالمعنى القطري الضيق، بل بالمعنى الإنساني الطليق، الذي يستعيد البشر إلى كينوناتهم، بقدر ما يستعيد لهم أسئلتهم الأولى بخصوص العلاقة مع الهوية والوطن والتاريخ والذاكرة، وبالمقابل مع الوجع وطريق الآلام سيرة، ستصبح في المدونة الإبداعية رؤيا تفيض على متخيلها لتحاكي كل تلك الأسئلة المضمرة التي ساورت الفلسطيني كاتباً في رحلته الوعرة في الزمان والمكان. وبقدر ما يبدو لنا عدنان كنفاني واحداً من سدنة تلك الرحلات، بقدر ما ينزع إلى جدلية الاختلاف محمولاً على أحلامه وهواجسه الكبرى، التي لا مناص للدرس النقدي من تأملها ومعاينة خصوصيتها، وكثافتها في قول روائي امتد في أعماله الروائية، بصدد الهوية والماهية التي تجعل من الفلسطيني عائداً إلى وطنه، لا منفياً يتجرع آلامه ويتقرى حنينه فحسب (فمن زغرودة أم تودع ابنها الشهيد، أو دمعة قهر على وجنتي رجل بائس، أو بكاء جائع) كان عدنان كنفاني يذهب إلى تلك النماذج ليجعل منها أساطير تروى، وحكايات لا تنتهي، بوصفها ملهمة وحافزة لمكوناته الإبداعية وتجلياتها شعراً ونثراً فضلاً عن ولوجه عالم المسرح، عبر مونودرما (شمة زعوط)، التي يستعيد بها المكونات التراثية الفلسطينية سعياً لإيقاد الذاكرة، ذاكرة الأرض والإنسان بتشكيلهما الثقافي والمعرفي الذي يحفر عميقاً في وجدان الشعب الفلسطيني وذاكرته الحية.

ويمكن القول إن دراسة عوالم عدنان كنفاني الإبداعية في صيروراتها ومناخاتها ما تنفك تحيلنا إلى مكونات رؤيته واستشرافه للواقع، وهو من ظل على تخوم الحلم منافحاً بالروح إيقاعاً لذاكرته الخصبة عابراً معارج الإبداع، وهو المكتنز بشغف المعرفة ودهشتها ليتنكب مغامرة إبداعية ستترك دلالاتها القصية، بتأويل مسروداتها وولوج فضاءات إبداعها في زمن مختلف ولسان حاله: (قلبي الذي ينبض… ماؤها منح عروقي عشقها الأبدي… هي وطني الذي أعتبره امتداداً لوطن ولدت فيه دمشق هي نبض الوجود العربي الأصيل).

عدنان كنفاني هو شطر برتقال يافا، هو نداء أمواج عكا، والظل المضيء الذي مشى في دروب القدس كما دمشق، التي ساهرت أوجاعه مجاز أوجاع فلسطين، الوارث للذاكرة الوطنية والقومية بكل اتساعها، لا مسافة بين القدس ودمشق، إذ هما في مخيلته النضرة تلك الحكاية التي لا تنتهي، كما حكاياته هو التي أضرم فيها كل الشغف ليجهر بثقافته وتجلياتها المقاومة بالإبداع والجمال والحق، وفي الزمن المختلف سيرة عدنان كنفاني سيرة فلسطين بامتياز.

العدد 873 - 07/08/2019