أفـراح مقيّدة ومؤجّـلة

إيمان أحمد ونوس:

في الماضي، في الأيام والليالي السابقة للعيد، كانت روائح الحلويات تفوح من كل بيت وحيّ، بينما الأطفال يقضون الليالي في الحارات ابتهاجاً بقدوم العيد، وانتظار صباحه المجيد، كي يتذوقوا أصناف الحلوى الشهية ويرتدوا ثياباً زاهية كألوان أرواحهم الغضّة النقيّة.

أمّا وقد غرزت الحرب مديتها في حياة السوريين، على مختلف المستويات، فلم تعد تلك الروائح تقوى على الحياة أمام نيران الغلاء والفقر والحرمان، حتى باتت هذه الأمور من المنسيّات للغالبية العُظمى من السوريين. قلّة هم الذين يقومون بالشراء، أمّا الباقي فهم متفرجون بحسرة وأنين يقضُّ مضجع الروح لأجل أطفال بات العيد لديهم ذاكرة لا أكثر، فلا ثياب جديدة، ولا حلوى أو ألعاب، ولا حتى عيدية يُغدق عليهم بها الأهل والأقارب لتأخذهم إلى الأراجيح والحدائق.

قسوة الحاضر المرير أدخلت الأطفال عنوةً في معترك الألم والحاجة، فأنستهم براءتهم وفرح العيد، لا بل حمّلتهم مسؤولية فاقت أعمارهم وأحلامهم، فالحكومات المُتعاقبة لم تشأ أن تُبقي للسوريين أيّ إحساس بقيمة وأهمية الشعائر والمناسبات التي تمسّ صميم حياتهم ومعتقداتهم، لاسيما تلك التي تحمل طابع الفرح والبهجة، فالغالبية منهم ومنذ سنوات تسع، لم يعرفوا من العيد سوى ذكراه وشعائره الدينية ونُتفٍ من أفراح صغيرة بعد صمت أزيز الرصاص. لقد رحلت من حياتهم فرحة الأعياد وانتظارها والانشغال بها. إنها لعنة الكبار والسفاحين حلّت في بلاد ما عرفت غير الفرح والأمل.

لكن هذه البلاد بدأت تعي تفاصيل الحكاية، وعرفت أن المقصود وأد روح أهلها المتشبثين أبداً بالكبرياء والعنفوان وعشق الحياة، لذا تأمل من الحياة أعياداً فوق أعياد تستقبلها بفرح وإن كان مُعتّقاً بحزن لم تنفكّ عراه في أمد منظور. بلادنا تعي أن استقبال العيد والاحتفاء به يعني قهر من أرادوا لها الموت والدمار. فلتكن أعيادنا مناسبة نُجدّد فيها انتصار الحياة على الحياة، وأمل زاده الأمل، فكل عام وجميع السوريين بإصرار وانتصار وزادٍ يليق بهم، لعلّ القادم من الأعياد يحلُّ بأمان وسلام وإخاء!

العدد 882 - 16/10/2019