الحياة لا تقبل أشباه بشر

إيمان أحمد ونوس: 

لكل وجود في الحياة هدف وغاية، ولكل كائن فيها دورٌ عليه أن يلعبه للنهاية وبكل ما أوتي من قدرة ووعي ومعرفة، وإلاّ غدت الحياة كأيّ مشوار بسيط لا يترك حتى أثر الأقدام على التراب.

وبما أن الإنسان هو أرقى الكائنات الحيّة على الأرض، فإنه الأكثر إحساساً بقيمة وأهمية وجوده في الحياة. فمنذ اللحظات الأولى لتشكّل الجنين في رحم أمه يبدأ صراع الوجود من أجل البقاء، وهكذا مروراً بكل مراحل حياته وعلاقته بمحيطه الاجتماعي والإنساني إلى أن يبلغ نهاية المطاف بشيخوخة يغدو الوجود خلالها مجرد نزهة للجسد والذاكرة معاً.

إذاً، يبقى الإنسان ما دام حيّاً في معارك اجتماعية وقيمية وفكرية كي يكون لحضوره معنىً يترك صداه حتى بعد الرحيل وربما لأجيال عدّة.

بالتأكيد إن هذا الكلام قد لا ينطبق على غالبية البشر، لكنه يتطابق مع نسبة لا بأس بها من الناس الفاعلين والذين يدركون أن حياتهم ليست مجرد وجود بيولوجي يتأصّل بالتزاوج والتوالد، وإنما هي مسيرة تمتدُّ ما امتد هذا الوجود وطال أو قصُر من خلاله العمر، وهنا تحضرني أمثلة لأشخاص كانت رحلة العمر لديهم قصيرة جداً قياساً بالإرث الذي تركوه كالسيد درويش وأبي القاسم الشابي وبدر شاكر السيّاب ورياض صالح الحسين وغيرهم ممّن لا يتسع المجال لذكرهم هنا، فهذه النماذج أدركت أن الحضور في الحياة رسالة يجب أن تصل إلى كل الناس مهما تعددت أعراقهم وألوانهم وجنسياتهم، وهذا ما كان بالفعل، وهنا كانت تلك الرحلة القصيرة من العمر أغنى بكثير من أُناس يبلغون من العمر عتيّاً.

وهنا لا يسعني إلاّ أن أتحدث عن السوريين في كل أرجاء الأرض خلال سنوات الجمر التسع التي ما زال جمرها مُتّقداً هنا وهناك، أولئك السوريون الذين أعطوا العالم دروساً بليغة في التشبّث بالحياة وإعطائها من المعاني الكثير ممّا يصعب على أي شعب أن يُقدّمه رغم الأسى والموت والنزوح والدمار، فهل هناك من هو أحقُّ بالحياة والحضارة والسلام منهم؟

العدد 889 - 4/12/2019