فضاءات ضيقة | الهروب إلى الأمام وحرق المراحل

د. عاطف البطرس:

ما كان لأوربا القرن الثامن عشر أن تصل إلى عصر (الأنوار) لو لم تعبر القرن السابع عشر، عصر تفكيك منظومات الوعي الزائف للطبيعة والمجتمع والإنسان.

كما أن إنجازات القرن التاسع عشر في الصناعة وما أفرزتها من اكتشافات علمية ليس بالإمكان تحقيقها لولا عقلانية القرن الثامن عشر.

لم يكن ممكناً حدوث الثورات المعرفية والإنجازات العلمية في القرن العشرين دون ما تم إنجازه في القرن التاسع عشر، على الرغم مما حمله هذا القرن من مخرجات قادت في القرن العشرين إلى حربين عالميتين، بسبب الجشع الرأسمالي واقتسام العالم، ذهب ضحيتهما ملايين الأبرياء من البشر.

قد تبدو هذه المقدمة للوهلة الأولى بدهية لا حاجة للتذكير بها، لكن ما نسمع به وما يدور على شباك التواصل الاجتماعي وبين المثقفين لا يأخذ بعين الاعتبار التسلسل التاريخي لإنجازات العصور السابقة وبشكل خاص في القارة الأوربية، ومن ثم في العالم الجديد الذي أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية قائدة له.

سيرورات التطور في القرون المنصرمة منذ عصر النهضة الأوربية التي بدأت في القرن الخامس عشر بفضل ظروف خاصة شملت الفكر والعلم والفلسفة والاقتصاد والسياسة والاجتماع والمواصلات والتجارة، ظلت في تفاعل خلاق أدى إلى بداية عصور جديدة بكل ما فيها من تقدم سببته الثورات الصناعية في أكثر من بلد.

هذه السيرورات ليست ملزمة لشعوب العالم، فلكل شعب خصائصه ودوره في تقدم الحضارة بمعزل عن حجم منجزاته ومراحله التاريخية، فالحضارة والثقافة فعل تراكمي ساهمت فيه كل شعوب العالم بنسب متفاوتة.

الخصوصيات الذاتية (المحلية) لا تتعارض مع العام في المنجز الإنساني المشترك الذي أفرز قوانين شاملة للتطور، لها مفاعيلها وتطبيقاتها العلمية والعملية في كل أصقاع الأرض ولدى كل الشعوب وفق إمكانيات وقدرات هذا الشعب أو ذاك على قابلية التلقي والاستفادة منه.

حرق المراحل والقفز فوق منجزات القرون السابقة بحجة عدم التكرار والنكوص إلى الوراء وتغير المعطيات وتبدل الأزمنة لا يبرر تجاوز تلك الإنجازات.

التفكير الرغبي في التقدم والتطور ليس كافياً لتحقيق الأحلام المشروعة في تخطي الراهن والتطلع إلى المستقبل، فالحلم يبقى من حق الأفراد والشعوب، ولكن عليهم أفراداً وشعوباً في الوقت نفسه أن يعطوا أحلامهم مادية التشكيل دون أن يسقطوا أفكارهم على الواقع إلا بعد إدراكه وتملكه معرفياً بتعقيداته وملابساته وشبكة الصلات المتداخلة فيه بين المحلي والإقليمي والدولي.

استسهال الانتصار والفرح بتحقيق بعضها ولو بشكل جزئي يشكل رافعة لتقدم وتطور لكنه ليس كافياً لإتمام إنجازها، فالمعارك التي يشهدها العالم اليوم بمنتهى الخطورة وهي تتناسب طرداً مع تقدم العلم والتكنولوجيا الحديثة بما أفرزته من منجزات تخدم تقدم الإنسانية. ومن المؤسف أن فيها أيضاً ما هو مدمر لها ومرعب يهدد العالم برمته بالفناء.

طرح الشعارات وتحديد الأهداف في غير وقتها المناسب لا يقل خطورة عن التأخر والمماطلة في طرحها والعمل الدؤوب من أجل تحقيقها مهما كان حجم الإعاقات الذاتية والموضوعية ومواجهتها لا مهرب منها.

الاكتفاء بالشعارات الشعبوية التي تدغدغ مشاعر الجماهير وتستجيب لرغباتها، دون النظر إلى الإمكانيات الفعلية والعملية في تحقيقها يضعف ثقة الناس بها وربما يجهضها قبل أن تصل إلى مرحلة النضج وصولاً إلى ولادة طبيعية.

إدراك العلاقة الحاسمة بين الظروف الملموسة لطرح الشعارات وإنتاج الأفكار والتبشير بها وبين استعدادات تلقيها وبالتالي تنفيذها يحتاج إلى صبر وتعقل وتروٍٍّ كي لا تخفق هذه الشعارات وتقع في مهاوي الهروب إلى الأمان بديلاً عن المواجهة الحقيقية للواقع وما فيه من إخفاقات على كافة الأصعدة الفكرية والعلمية والاقتصادية الاجتماعية والمعرفية في تفاعلها المركب، إذا أردنا تخطي وتجاوز واقعنا المؤلم إلى واقع يدخلنا عتبات العصر.

العدد 878 - 18/09/2019