المجتمع المدني دعامة أساسية لإعادة الإعمار

إيمان أحمد ونوس:

لا شكّ في أن أيّة حكومات مهما ارتقت لا يمكنها منفردة تنفيذ وإنجاز كل المهام والخطط والبرامج المطروحة والمطلوبة من أجل تلبية احتياجات المجتمع المختلفة والمتعددة، فهذا يتطلّب بالضرورة وجود منظمات مجتمعية رديفة تعمل كمساعد رئيسي على تنفيذ تلك الخطط والمهام تُسمى المجتمع المدني.

(يشير مصطلح المجتمع المدني إلى مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة، وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية).

وتزداد الحاجة إلى هذه المنظمات في فترات الحروب والكوارث الطبيعية أو البيئية، وهو ما ينطبق تماماً على المجتمع السوري، الذي مرَّ بأسوأ حرب شهدها تاريخ سورية.

فمع كل ما عاناه المجتمع السوري وما يزال وعلى كل المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية، وبما حملته هذه الحرب من كوارث وويلات ناء بحملها واحتمالها الجميع، لاسيما الشرائح الدنيا والفقيرة، التي لا تملك من مقومات الحياة أصلاً ما يسدُّ رمقها، فكيف بها في الحرب التي أطاحت بكل مقومات الحياة الطبيعية؟ مع كل هذا الواقع المرير تبدو الحاجة اليوم مُلحّة، أكثر من أيّ وقت مضى، لوجود منظمات مدنية تعمل على النهوض بالأفراد والمجتمع من قاع هذا الواقع إلى مستويات الحياة المقبولة.

صحيح أن هناك منظمات أهلية (خيرية- تطوعية) مُرخّصة تعمل منذ أمد بعيد تحت مظلّة القانون رقم 93 لعام 1958 غير أن بعض المنظمات الأخرى التي بدأت العمل في العقود الماضية في مجالات مختلفة كالمجال الاجتماعي والحقوقي وغيرها قد تعرّضت للتشويه والتخوين إن كان من قِبَل السلطات الرسمية أو بعض الأحزاب والأفراد وبعض رجال الدين وحتى المثقفين، وهذا ما دفع بالعاملين في الحقل المدني إلى المطالبة بتشريع قانوني متطور ينظم عملهم ويكون بديلاً عن قانون متخلّف يتبنى مبدأ الوصاية المقيّدة والتامة على المجتمع.

ولهذا، قامت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عام 2012 بإعداد مشروع قانون المنظمات غير الحكومية، من أجل توسيع أشكال هذه المنظمات وتفعيل دورها التنموي لتصبح شريكاً حقيقياً وفاعلاً في عملية التنمية، وإحداث هيئة وطنية للمنظمات غير الحكومية، ومنحها إعفاءات ومزايا ضريبية لتحفيزها.

غير أن هذا المشروع بقي مهملاً حتى عام 2014 حين تمّت خلال جلسة استثنائية في مجلس الشعب مناقشة إمكانية إحداث هذه الهيئة التي تتلخّص مهمتها في الإشراف على المنظمات وتفعيل دورها في تنمية المجتمع، بما تتطلبه تلك التنمية من تعديل القوانين من أجل مواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي عاشها السوريون الذين ما زالوا حتى اليوم ينتظرون مشروع القانون المطروح منذ عام 2012

يقول المحامي فايز جلاحج:

(… أما الفلسفة التي تقيم منظومتها القانونية على أساس حق الدولة في التدخل والتحكّم بحركة المجتمع، انطلاقاً من مفاهيم مختلفة يعود بعضها إلى إرث الماضي، أو يرتبط بنظرة إيديولوجية وعقائدية تُعلن هدفاً لها تغيير المجتمع بنياناً، وفكراً ومزاجاً، وتعمل على تحقيق ذلك بطريقة إرادوية وإدارية وبأسلوب مباشر وفوقي، يتجاهل الواقع وحقوق المجتمع، ويخلّ بالمعادلة:

مجتمع – دولة لتصبح معادلة من طرف واحد. وبدلاً من أن تقوم الدولة بعقلنة المجتمع – كما يقول ماركس – من خلال فهم قوانينه – والسير معها بما يساعد على تطوره وتقدمه – تقوم الدولة بوقف تطور المجتمع ودفع فئات واسعة منه إلى الابتعاد والانزواء، ممّا ينعكس على الدولة ذاتها أيضاً، فيضعف قدراتها وإمكانياتها في جميع المجالات).

من هنا نجد أن لا ازدهار في المجتمع ما دام أفراده مُغَيَبين عن ساحة الفعل الجماعي المبدع والخلاّق، مهمّشين ومُفرّغين من كل قدرة على البناء والعطاء، لا على مستوى الذات فقط، وإنما على مستوى الوطن الذي يحتاج إلى جهود جميع أبنائه بعقولهم وقلوبهم، في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ سورية وشعبها.

إن التطور الديمقراطي للمجتمعات العربية وتحديثها يتطلّب قيام تنظيمات غير حكومية تمارس نشاطاً يُكمّل دور الدولة، ويساعد على إشاعة قيم المبادرة الجماعية من خلال اعتماد مبدأ التشاركية الفاعلة والفعّالة بين الدولة والمجتمع عبر منظمات لا تعتمد فقط مبدأ الخيرية وتوزيع المعونات، بل منظمات تعمل على الارتقاء بالفرد والمجتمع والدولة معاً وصولاً إلى دولة المواطنة المدنية العلمانية.

العدد 919 - 15/07/2020