الانتخابات في هولندا.. انتصار قد يتحول إلى هزيمة سياسية

د. نهلة الخطيب:

أصبح التطرف وتفاقم النزعة القومية منتشراً في أوربا التي تواجه تحديات سياسية واقتصادية كبيرة، يتبعها تحديات العولمة واللجوء والهجرة بسبب الأزمات والحروب التي يعيشها العالم الآن، ويعد بروز اليمين المتطرف على الساحة السياسية الأوربية وتصدره النتائج شبه النهائية في دول كبيرة لها تاريخ عريق كفرنسا وإيطاليا والمجر وبولندا، إحدى أكثر الظواهر السياسية أهمية خلال العقدين الأخرين من القرن الماضي في أوربا، والسمة الرئيسية الغالبة على الجماعات والأحزاب المنضوية في إطار اليمين بشكل عام سواء كانت أحزاباً متطرفة تعمل في إطار عملية ديمقراطية أو أخرى معارضة لها، هي الخطاب الذي يتحدث باستمرار عن وجود تهديد عرقي أو ثقافي من قبل مجموعات تعتبر دخيلة على المجتمع وعن ضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية الثقافية، ومن ثم تأتي معارضة اليمين المتطرف للهجرة ورفض المهاجرين إضافة إلى النزعة القومية وتوظيف الإسلاموفوبيا في ممارساتها السياسية ودعاياتها التي تتبنى أفكاراً عنصرية متطرفة تحض على كراهية الأجانب وتعنيفهم، بالإضافة إلى التشكيك الشعبوي في الديمقراطية وفي مؤسساتها وايمانهم بأن هذا النمط من الحكم لم يعد يوفر الأمان الاقتصادي للسكان، وقد نكون على أبواب مرحلة يعاد فيها تشكيل هوية أوربا وخريطة التحالفات السياسية وتحديد الأولويات لا سيما أن الاقتصاد الأوربي الذي يمثل ما يقرب خُمس الناتج الاجمالي العالمي يواجه أصعب اختبار له بالوقت الراهن.

وفي سابقة أولى في تاريخ المشهد السياسي الهولندي أظهرت نتائج الانتخابات الأولية فوز حزب الحرية اليميني المتطرف PVV والمناهض للإسلام بزعامة غيرت فيلدرز الذي حصل على 37 مقعد في البرلمان أي أكثر من ضعف حصته في الانتخابات السابقة وتفوق بقوة على معارضيه، فكيف انتصر حزب اليمين المتطرف وهل سيصبح غيرت فيلدرز رئيس وزراء هولندا القادم؟

حزب الحرية أصبح أول حزب يميني متطرف يفوز بانتخابات برلمانية في هولندا ويفسر فوزه  في سياق موجه صعود اليمين المتطرف في أوربا وتنامي التوجهات الداعية لتقييد اللجوء والهجرة وهو ما يطرحه غيرت فيلدرز وشدد عليه مراراً في خطاباته وتصريحاته: (هولندا للشعب الهولندي وسنقوم بتقيد تسونامي اللجوء والهجرة).

فيلدرز سياسي متمرس منذ أكثر من ثلاثين عاماً يعرف كواليس السياسة الهولندية وآلية صنع القرار فيها، وهو شعبوي يميني متطرف يشتهر بمعاداته للإسلام ومناهضته للهجرة وتأييده خروج بلاده من الاتحاد الأوربي ودعمه لإسرائيل الذي عمل فيها أكثر من سنة متطوعاً في إحدى مستوطناتها، ويتباهى بأنه يخوض حرباً ضد الهجرة وما يسميه (أسلمة هولندا)، وتعرض للمحاكم أكثر من مرة بتهم التحريض والتمييز ضد جماعات عرقية ودينية، بدأ عمله في حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية ذو التوجه الليبرالي المحافظ وكان عضواً في مجلس النواب عام 1998 ممثلاً عن الحزب نفسه، وأعلن عن تأسيس حزبه اليميني المتطرف من أجل الحرية عام 2006 وأصبح حزبه أكبر حزب معارض وثاني أكبر حزب في البرلمان عند حصوله على 20 مقعداً في انتخابات عام 2017، أدار فيلدرز حملته الانتخابية بشكل جيد مقارنة مع منافسيه من الأحزاب الأخرى وركز على جانبين الأول الهجرة والإسلام والهوية الثقافية الوطنية، والثاني الرعاية الاجتماعية والصحية وخاطب المواطن الهولندي وحاكى همومه وأزماته المعيشية والصحية والسكنية والاكتظاظ بسبب الهجرات المتتالية واللاجئين التي تؤثر على فئة الشباب بشكل خاص، وركز فيلدرز في حملته على الناحية الاقتصادية أيضاً فبرأيه هولندا تدعم الحرب في اوكرانيا وتدعم الاتحاد الأوربي دون فائدة تذكر على مواطنيها، ومما ساعده على الفوز استمرار حزب الشعب لثلاث دورات والذي استوفى كل ما عنده وارتكب عدة أخطاء فيما يتعلق بالهجرة أخرها الاتفاق الذي أبرم في اطار الاتحاد الأوربي مع تونس وفشله أدى إلى اسقاط الحكومة، وهناك عامل لا يقل أهمية عما سبق وهو انقسام المنظومة اليسارية رغم تحالف اليسار الأخضر مع حزب العمال والذي احتل المرتبة الثانية بفارق 12 مقعد عن الأول كلها عوامل هيئت فوز حزب الحرية، وهناك عامل ربما أزال الكثير من الخوف عند بعض المنتخبين وهو أن فيلدرز تخلى عن الكراهية للإسلام وعبر عن رغبته بالتعاون مع الأحزاب الأخرى لتشكيل الحكومة: (سأكون رئيس وزراء لكل الهولنديين بغض النظر عن الدين أو الجنس أو أي شيء آخر وسنحكم ب 37 معقداً).

وحسب الدستور الهولندي تعطى الأولوية للفائز بالانتخابات لكي يبدأ بالمباحثات والمشاورات ولكن للوفاء بتعهده ليكون رئيس للوزراء يتعين عليه اقناع الأحزاب الأخرى بالانضمام اليه في ائتلاف للحصول على 76 مقعد من البرلمان المؤلف من 150 مقعد، ولكن قبل التصويت استبعدت الأحزاب الثلاث الكبرى (تحالف اليسار الأخضر مع العمال PVD بحصوله على 25 مقعداً، حزب اليمين الوسط VVD حصد 24 مقعداً، حزب العقد الاجتماعي NSC بمشاركته الأولى حصد 20 مقعداً)، المشاركة في حكومته بسبب سياسته اليمينية المتطرفة واختلاف برنامجه مع الدستور فرئيسة الحزب اليميني الحاكم السابق قالت: (لن أرضى أن أكون تحت قيادة فيلدرز، ولقد حان الوقت لكي ندافع عن الديمقراطية)، وهو الحزب الذي يعادي الإسلام بشكل علني وقد تعهد بتشكيل وزارة التطهير من الإسلام وحظر المساجد والمدارس الإسلامية وحظر الحجاب وهذا ما يتعارض مع القانون الهولندي الذي يكفل حرية العبادة.

المنظومة السياسية الهولندية لا تقتصر على حزب واحد هناك تشكيلات كثيرة من المكونات السياسة مما يصعب على فيلدرز أن يملي أجندته على باقي الأحزاب، ويظل فيلدرز مرشحاً فائزاً واستبعاده احتمال قائم جداً بسبب مبادئه المتطرفة حتى لو أعلن أنه سيقدم تنازلات ويخفف من حدتها، واذا فشل في اقناع الأحزاب بتشكيل حكومة الأغلبية سيتم تشكيل حكومة أقلية (مقاعدها في البرلمان أقل من النصف) مكونة من أحزاب اليسار واليمين والوسط وقد حدث ذلك في تجارب سياسية سابقة وكانت أول حكومة أقلية في هولندا عام 2010، تطيح بفيلدرز ويبقى في المعارضة وهي بداية لتراجع أهمية حزبه وانتصار هذا الانتخاب يمكن أن يتحول إلى هزيمة سياسية له، ويصبح هناك أكبر عدد من مقاعد المعارضة داخل البرلمان كما حدث في بولندا، ربما تجتمع أحزاب  PVDوNSD  و VVDمع حزب الفلاحين BBB الذي حصل على 9 مقاعد ومجموعهم 78 مقعد وهذا احتمال قوي جداً مع خروج فيلدرز من الائتلاف الحكومي، هي حكومة غير مستقرة لأن حكومات الأقليات أثبتت فشلها تاريخياً لأنها لا تمتلك أغلبية في البرلمان.

العدد 1096 - 21/2/2024