الثورة.. حول إشكالياتها

يونس صالح:

إن الثورة هي مصطلح عام، يستخدم للدلالة على تغيير أساسي وجذري في التنظيم السياسي والبناء الاجتماعي، وقواعد الملكية الاقتصادية في مجتمع ما، بشكل يجزم بانكسار كامل ورئيسي لحركة تطور واستمرار النظام القديم.

ومن هنا فإنه مصطلح يطلق على التغيرات الفجائية والجذرية التي تتم لتغيير نظام حكم مثلاً، وتغيير الأطر الاجتماعية والقانونية المصاحبة له، أو يطلق على التغيرات الجذرية التي تحدث في مختلف الأنشطة الإنسانية، حتى لو حدثت هذه التغيرات بشكل تدريجي أو دون عنف، فكثيراً ما نقول مثلاً (ثورة علمية، أو ثورة ثقافية، للتعبير عن تطور وتغيير جذري في نشاط إنساني، دون أن يكون هناك شبهة صراع).

وهناك اتجاهان يمثلان المنهجين الرئيسيين لمناقشة الثورة كظاهرة إنسانية، ونعني بهما الاتجاه المثالي والاتجاه المادي التاريخي.

يرى أصحاب الاتجاه المثالي أن الثورات هي محاولة لتحقيق مثل عليا، سواء كانت هذه المثل لطائفة دينية أو لحزب سياسي، وبالتالي فإن أصحاب هذا الاتجاه لا يعلقون أهمية على النتائج الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. أما أصحاب الاتجاه المادي للتاريخ، فإنهم يرون أن الثورة هي طريق الخلاص الوحيد للطبقة المطحونة اقتصادياً، نتيجة احتكار السلطة والقوة الاقتصادية في يد طبقة.

ورغم أن هناك بعض المحاولات من مفكرين لابتداع اتجاه آخر أسموه الاتجاه الواقعي، إلا أنهم وقعوا في النهاية في إطار التفسير المادي أيضاً، لأنه لا يمكن منطقياً أن ننكر أن جذور أي عقيدة إنما تكمن في الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فالعقائد الفكرية لا تخلق ظروفاً اجتماعية اقتصادية خاصة بها، ولكن العكس هو الصحيح. ومن هنا تصبح العقيدة الفكرية هي نقد الواقع، وطرح الرؤية الشاملة لواقع بديل، والحلم بالتغيير والعمل من أجله.

ويدين الفكر الإنساني والتاريخ كله لثورات أساسية مثلت التغيير الحقيقي والرئيسي، كما عبرت عن آراء المفكرين، حول نظم الحكم والنظم الاجتماعية.

فحتى عام 1688 كانت سلطة الحكم في المجتمعات الإنسانية هي سلطة أرستقراطية مالكي الأرض، حتى جاءت الثورة الإنكليزية، واستعاضت عن هذه السلطة بسلطة الحق الإلهي والتفويض (أفكار توما الأكويني)، ثم جاءت الثورة الفرنسية في عام 1789 فانتهت هذه المرحلة وسقطت نظرية ظل الله في الأرض، رافعةً شعار (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس)، وأقامت الثورة سلطة بورجوازية تتمتع بقدر من تأييد طبقة الفلاحين. وفي عام 1917 جاءت الثورة البلشفية في روسيا، لتتويج مرحلة طويلة امتدت أكثر من سبعين عاماً من الفكر الإنساني، فأنهت سلطة الحكم المطلق، وعملت من أجل إقامة نظام اشتراكي محل النظام الرأسمالي.

ولابد هنا من التأكيد أن مجرد إطلاق كلمة ثورة تعني التقدم أو التغيير نحو الأفضل، فالثورة كظاهرة إنسانية تستمد قيمة مضمونها من انتمائها، ومن الهدف الذي تسعى إليه في إطار فهم شامل لموضوعة الظروف المحيطة بها، فالثورة الأمريكية مثلاً عندما قامت كانت تنادي بالحرية، ولكنها كانت حرية ملاك الأراضي وليست حرية كل أبناء المجتمع، فقد أبقت الثورة على وضعية العبيد وعلى التمايز العنصري، وهناك الثورات التي تأتي لتغيّر النظام وتدفعه نحو الخلف، كالثورة المضادة.. ولكن على الرغم من كل الاختلافات فإنه يبقى أن الثورة بمعنى إحداث التغيير الجذري، هي الأداة المتاحة لتحرير الإنسان من القهر الاجتماعي والقومي، في كثير من البلدان التي فشلت فيها كل الوسائل الأخرى، لتحقيق طفرات تاريخية قادرة على بناء المجتمعات والإنسان، وصياغة غد أفضل بالنسبة له.

 

العدد 1112 - 26/6/2024