الخيارات والاختيارات.. الموارد البشرية أسّ التنمية

الدكتور سنان علي ديب:

من قبل الحرب الظالمة وإلى اليوم، كان أسّ مقالاتنا وحوارنا هو أن الثروة البشرية أهمّ الثروات، وأن الاهتمام بها هو استثمار حالي ولاحق ومستقبلي، وكثيرةٌ هي البلدان الفقيرة بثرواتها الطبيعية وتجاوزت التدمير الممنهج وقطع التنمية عبر ثقافات متراكمة أو عبر تنشئة معرفية عبر نظام تعليمي منضبط وازن، ولا نصاعة عن الفعل لليابان وألمانيا بعد الحرب المدمرة، والاستثمار الصحيح للقوى البشرية وزجّ الطاقات أو الثقافة المجتمعية الرابط الداعم للمجتمع في اليابان، ومن ثم النموذج الماليزي وسنغافورة وغيرها من الدول التي حددت غايتها وأنشأت طرقاً لتكون بوصلتها ونجحت وما زالت. فالتنمية المستقلة المستمرة المتوازنة لها أسس ومعايير، ولا تظن أيّ دولة أن الغرب الإمبريالي يسمح لتنميتها بالاستمرار والتراكم من دون عرقلات وقطع وتدمير ممنهج عبر فرض أجندات أو إملاءات أو افتعال حروب مدمرة ومفتتة ومجزِّئة، ولكن كل هذه الإجرامات ليست قدراً وليست محسومة النتائج، فتأسيس الموارد البشرية وفق معايير تنطلق من الأسرة والتعليم والإعلام وأخلاقيات الدين هو سلاح آني واستراتيجي، وفي الوقت نفسه هذه المؤسسات هي أساسيات للتخريب الممنهج لدول التوحش والاستكبار وفق لسعات دبابير أو  وفق نهج اللا استقرار وتضييع التنمية التي هي نتاج استثمار مخرجات النمو.

إذاً، لا تنمية بلا تنشئة صحيحة وبناء صحيح للموارد البشرية التي يجب أن تستثمر الاستثمار الصحيح وفق وضع الشخص في المكان المناسب، وأي تشغيل أو ملء فراغات أو تغيير لا يراعي الكفاءات والإمكانات سوف تكون محصلته هدراً متعدد الأبعاد عبر خسارة فرص وتضييع الوقت وتضخيم وتراكم مشاكل لو حاولنا الإحاطة بها وعلاجها بوقتها لما تراكمت ككرة الثلج.

للأسف فاقد الشيء لا يعطيه، ومنه التعيينات الخاطئة أو التنشئة المغلوطة هي تراكم خسائر وتضييع للإمكانات وتصعيب للحلول وقطع للتنمية.

قد يظن البعض أن تكلفة التعليم هي خسارة، ولكنها هي استثمار دائم عوائده مضاعفة، وأن الانضباط وتكريس منظومات أخلاقية عنف أو خروج عن التربية الحديثة. وليتذكر البعض أن الدول المتقدمة ومنها اليابان بالمراحل الأولى تهتم بالانضباط وتكريس الأخلاق أكثر من زخّ المعارف والمعلومات، وللأسف سعت وعملت ووصلت دول الأمركة بسياق طريق ما سمّي العولمة التي كانت هادفة لتفريغ وتسطيح وتنميط وإبعاد الموارد البشرية عن قطع سيرورة مواجهة غزوها متعدد الأبعاد إلا ببعض الأدوات ومدعي النخبوية والذين هم جسر دائم لغاياتهم.

فلا نعتقد أن بث العلمانية ومحاربة الأديان بسبب أفكار أو معتقدات مثالية عندهم من قلب الفوضى يخلق النظام، وعندهم توحش دائم لا يهتم بأي شكل من الإنسانية، وبالتالي تفريغ منظم وأنانية مفرطة وصنع نماذج (من برا رخام ومن جوّا سخام) لتدمير النسج الاجتماعية وحرف الصراعات لتأخذ أبشع أشكالها.

ورغم ذلك فإن ضبط الإدارة التنموية والتعيينات الصحيحة كفيلة بمقاومة التوحش الرأسمالي ومواجهته وإصلاح تخريباته، ولذلك السير بالطريق التنموي بحاجة لأخذ هذه الاعتبارات.

الأمن الوطني هو غاية وهدف كل من يسعى لحماية بلده وتحصينها، وهذا الأمن مركّب عبر حماية الحدود وعبر تحصين الشعب عبر تحقيق الأمن الإنساني المركب من الأمن الغذائي والأمن الصحي والأمن المالي والبناء الصحيح المنضبط ضمن بيئة حقوقية وأمنية بناءة وعبر هذه المعادلة نحصن البلدان والإنسان ونحمي تنميتنا ونسير للأمام بكل ثقة.

ثروة البلدان بثروتها البشرية عبر تكامل البناء والتنشئة والاستثمار، وكل خلل بهذه المعادلة سيصيب النمو والتنمية والأمن والأمان.

وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب ضرب لقانون غريشام (العملة الرديئة تطرد العملة الصحيحة من الاستخدام).

مقومات استمرار التنمية والتعافي والانطلاق متوفرة في منطقتنا ودولنا، والاستثمار الصحيح العقلاني الفعال لها هو طريق النجاح المستمر.

 

العدد 1112 - 26/6/2024