وإن زلزلت الأرض زلزالها

الدكتور سنان علي ديب:

من المؤكد أنه لا يزعجنا تكرار الفكرة بمقالات متعددة أو إحاطة الموضوع مجدّداً ما دام لم يؤخذ به وما دمنا نجد فيه علاجاً لمشاكل متعددة. ففي بداية الحرب الظالمة الفاجرة صرخنا وكررنا بأن الازمة اخلاقية بامتياز للوصول إلى مبتغى فئة المستفيدين ولتعقيدها وتكبير انعكاساتها لعرقلة الحلول البناءة، وكررنا أن نتائج الحرب الاجتماعية لن تقل عن آثارها الاقتصادية بل ستتعداها، وهو ما وجدناه كوارث اجتماعية وغزت الأنانية والفردانية المطلقة مكان الجماعية التي نشأنا عليها وقوي النسيج الاجتماعي بها، ولكن طول الفترة الزمنية للحرب وتعمّق نتائجها وتوسعها، وصمود البلد وتحولات عالمية جعلت كثر يصمدون ويصبرون ويفكرون خارج الصندوق. وجاءت أزمة الزلزال لتظهر بردّة فعل إيجابية طاقات بناءة وشحن إيجابي وتفاؤل لمن يريد السير باتجاه الاستيعاب والإصلاح وإعادة البناء. فما زالت آفاقهما منيرة وممكنة ولم يصل الأعداء إلى تصحيرنا رغم كثرة وتعدد وسائل الإرهاب المعتمدة علينا والتي لو اجتمعت على أقوى دول العالم لانهار، وهو ما أكدته صدمات البلدان الفوقية التي تنظر إلى الآخرين نظرة تخلف ودونية وعبيد.

المهم ما مورس على دول المنطقة وما خطط وبرمج وما زالت نوايا الدول الامبريالية تسير باتجاهه لنا ولغيرنا وإن غيرت خططها فالأفعى تبقى أفعى وإن غيرت جلدها.

المهم ما مورس يتماهى بشكل كبير مع بروتوكولات مجرمي صهيون في تفريغ العقول وتسطيحها وتنميطها بقشور غير قادرة على الإبداع والانضباط وعلى مقاومة ومواجهة السرطان الاستعماري الصهيوني.

طالما نبهنا من الغزو الثقافي تحت عباءة ما سمي عولمة، والغاية تسهيل مسارب وطرق التوحش المالي الذي هو ما بعد الأمركة وآخر ظلمة نفق الإمبريالية التي لا تعترف بالإنسانية وتعمل أي شيء لاستمرار توحشها وعدم هزيمتها، فهي آخر التاريخ وهي الفائز بمباراة صدام الحضارات وهي تصادم الآخرين بتفتيتهم وتقزيمهم وصدامهم وصراعهم.

ولكن لم تنجح بالاستمرارية أو السيطرة على الفوضى العالمية واستمرارية فرق تسد.

للأسف في منطقتنا كان همّهم طمس ثقافتنا وحضارتنا وتهشيم المجتمع وسلب الهوية الوطنية، وبوصلتهم نحو ضرب الخلية الاساسية التي كانت جسر الوصول للانسجام والقوة والصلابة والمتمثل بالأسرة التي كانت قائدة الأمن والأمان الاجتماعي والوطني. ولكن للأسف كان هناك استسلام فأصيبت هذه الأسرة بسهامهم لأسباب وبأشكال متعددة، وانعكس إهمال الأسرة ودورها على صورة المجتمع وإمكانية إصلاحه وعلاجه، وهي صورة سلبية لمن ينطلق من سلبية شخصية أو أفكار سلبية.

خلال حرب الـ١٢ سنة والأزمات والكوارث ظهرت حقيقة الأغلبية المؤمنة بالإنسانية والوطن وبذل الجهود من دون تكليف ولو أنها أحياناً تظهر بعض الفوضوية، وهذا يدل على الخير الكامن والمتجذر في  عقلية الأغلبية، وهو نتاج التنشئة القيمية الصحيحة قبل أن تصبح هذه التنشئة هي غاية وهدف القوى المتامركة التلمودية لحرف المجتمعات عبر قتل المنظومات الأخلاقية وشرعنة الانحرافات للوصول إلى عولمة الفساد، ولتكون الأسرة هي هدف قلب المجتمعات عبر تقزيم دورها وإلهائها  بتامين معيشتها، التي غالباً ما تكون صعبة، وذلك في ظل خلل في مؤسسات التنشئة الأخرى تعليم.. إعلام.. وحرف الأديان وتقويض الأحزاب، وأصبحت مؤسسة الأسرة غير قادرة على الحفاظ على دورها وفاعليتها وانعكس ذلك على المجتمع بأكمله.

وأصبحت مركزية في إعادة التنشئة والبناء ومن يريد تقوية وتحصين المجتمع فلابد من إعادة الاهتمام بها وبدورها وببنائها.

رغم فظاعة الزلزال ولكنه كشف الكثير من الإيجابيات والعورات، ولكنه أعطى أفقاً وأملاً إن أحببنا.

وبتنا بحاجة إلى زلزلة متكاملة لأسس وقوى ومنظومات الفساد والإفساد التي من ضمن عملها المتكامل تخريب دور الأسرة كحامي وناقل للمنظومة القيمية والأخلاقية، ولا يمكن تهشيم المجتمع وغزوه إلا عبر النيل من الأسرة ومكانتها.

ثبت أن الإنسان هو أساس النمو والتنمية وتتمايز البلدان والتنمية بمدى الاستغلال الصحيح للطاقات البشرية التي للأسرة دور مهم في تنشئتها وفي حمايتها.

وما زلنا نملك فوائض من هذه الموارد التي في سنوات قبل الحرب انتشرت في أغلب دول العالم لتساهم في البناء الإنساني.

للأسف وقعت قوى الشر بلظى أعمالها الشيطانية، وهم من تبنى فكرة من الفوضى يخلق النظام، فظنوا أنفسهم أسياد العالم لمرحلة ما بعد العولمة والأمركة، ولكن انحرفت النتائج وفشلت المخططات ونحن في بداية الطريق إلى زلزال سياسي عالمي أعطى أملاً لتعددية قطبية طالما نبهنا أنه من دون جبهة موحدة لا يمكن تشعير وشقشقة الجدار الأمريكي الذي ظل صامداً وباعثاً لكل شرر وشر والباعث لقتل روحانية الأديان والأفكار وهمّه الجشع والربح ومخالفة الطبيعة..

وجاء الاتفاق في الصين بداية التفاؤل والأمل، وأصبح لعب القوى الاقليمية علناً. مؤكد أنها لم تنهزم قوة الهيمنة والاستكبار ولم تفلس ولكنها في بداية الطريق والموضوع خاضع لجدية القوى الصاعدة ولما تخطط له ولتعاملها بالندية.

و الزلزال السياسي سيكون موضوع نقاشنا القادم..

ولكن قد تفاجئنا ردات فعل التوحش الإمبريالي..

ثبت أن تحصين الداخل واحترام الخصوصية وتقوية الهوية والانتماء حصن حصين..

القادم جميل وواضح إن عرفنا العمل..

 

العدد 1112 - 26/6/2024