مستجدّات انعطافية.. تتطلّب استجابات نوعية

كتب رئيس التحرير:

أن تكون فاعلاً وخلّاقاً في الحياة، لا يعني أن تكون صانع منعطف هاّم فقط، بل يعني أيضاً استثمار الأحداث الانعطافية بحكمةٍ خدمةً لقضية سامية.

في عالم اليوم المتّجه إلى نبذ سيطرة القطب الأمريكي الأوحد على مجرى السياسة والاقتصاد العالميين، تجري اصطفافات جديدة تمهّد لعالمٍ متعدّد الأقطاب، يبعد شبح الحروب المدمرة للبشر والحجر، ويضمن التطور الآمن لدول العالم وشعوبه.

في الأزمة السورية المستمرة منذ 12 عاماً، وبعد مواجهة الإرهابيين المدعومين من تحالف دولي قادته الولايات المتحدة، عملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على عرقلة كلّ الجهود لإنهاء مأساة الشعب السوري عبر الحلول السلمية، وسعت إلى تقسيم سورية، واستنزاف قدراتها، واحتلّت مع تركيا أجزاء من أرضها، وفرضت عليها حصاراً اقتصادياً أدّى إلى إنهاك اقتصادها وإفقار شعبها، الذي بات يبحث عن الغذاء والدفء والدواء، وبات حل الأزمة السورية سلمياً مرهوناً باختراقات ومستجدّات تعمل على تحييد الإدارة الأمريكية، وهذا ما عملت عليه الدبلوماسية الروسية، بالتعاون مع شريكيها في منصة (أستانا) وبالتنسيق مع القيادة السورية، وبدأت بعد ذلك مساعي التقارب السوري_ التركي، بدعمٍ روسي وإيراني. وجاء الانفتاح العربي على سورية، بعد كارثة الزلزال الذي ضرب مناطق واسعة من محافظات حلب واللاذقية وإدلب وحماة وطرطوس، وأدّى إلى وفاة نحو 1500 مواطن وجرح الآلاف وتدمير مئات الأبنية، وحملات الإغاثة والمساعدة التي سارعت الدول العربية إلى إرسالها، وزيارات المسؤولين والبرلمانيين العرب إلى سورية لإعلان تضامنهم وضرورة العودة إلى وحدة الصف العربي وعودة سورية إلى الجامعة العربية، هذا الانفتاح يمهّد لعودة العلاقات إلى طبيعتها، ويضع حدّاً لسيناريو المقاطعة الذي فرضته الإدارة الأمريكية بهدف إركاع سورية وشعبها.

أمّا آخر المستجدات حتى اليوم، فكان الاتفاق السعودي_ الإيراني، الذي أعلن منذ أيام بوساطة صينية، والذي وضع حدّاً لمخطط الإدارة الأمريكية بتشكيل (ناتو) عربي_ صهيوني معادٍ لإيران، يمهّد لاستباحة الكيان الصهيوني للمنطقة العربية، كما أن هذا الاتفاق يفتح الآفاق لحل الخلافات عبر الحوار والتوصل إلى استقرار إقليمي.

إذا أضفنا إلى هذه المستجدّات الهامة على الصعيدين العالمي والإقليمي، عاملاً داخلياً لا يقلّ أهمية، ظهر في التعاطف والمساندة واللهفة على إغاثة ومساعدة المنكوبين بسبب الكارثة التي ألمّت ببلدنا وشعبنا، وقد عبّر عنها الشعب السوري بجميع أطيافه السياسية والاجتماعية والإثنية، وهي تمثّل تآلف النسيج الاجتماعي، وتمهّد لتوحيد كلمة السوريين، بات مُلحّاً، حسب اعتقادنا، المضيّ إلى استخدام هذه المستجدّات لتحقيق إنجازين نوعيين يؤدّيان إلى إنهاء الأزمة السورية:

الأول: المساهمة الجدّية في إنجاح الجهود الجارية حالياً لحل الأزمة عبر الطرق السياسية وبالاستناد إلى الثوابت الوطنية، وملاقاة بداية الانفتاح العربي على بلادنا بما يشجّع على عودة العلاقات مع الأشقاء إلى الوضع الطبيعي، والاستمرار بمختلف الطرق في حشد التأييد العربي والدولي، بهدف الضغط على الإدارة الأمريكية لإلغاء الحصار والعقوبات الانفرادية على سورية وإنهاء الاحتلال الأمريكي.

الثاني: التوجه الجدّي لجمع كلمة السوريين عبر حوار وطني واسع يضمّ الأطياف السياسية والاجتماعية والإثنية، والتوافق على إنهاء الأزمة السورية، ووضع ملامح سورية المستقبل، الديمقراطية والعلمانية.

ومن الضروري، حسب ما نرى في الحزب الشيوعي السوري الموحد، أن يترافق كلّ ذلك مع جهود حكومية سريعة لمساعدة المتضررين من الزلزال، وتخفيف الأعباء المعيشية عن كاهل أكثرية الشعب السوري، التي انحدرت قسرياً إلى خانة الفقر والفقر المدقع.

سورية ستنهض..

لا لليأس!

العدد 1096 - 21/2/2024