الثابت والمتغيّر في السياسة الدولية حول سورية

بقلم إبراهيم الحامد:

في مقالة سابقة لي بعنوان (هل الزلزال سيدفع إلى عالم جديد) بعد زلزال ٦ شباط ٢٠٢٣، منشورة في جريدة (النور) العدد ١٠٤٨ تاريخ ٣ آذار (مارس)، تناولت فيها الخريطة السياسية والدبلوماسية الدولية والإقليمية، وبالأخص تركيا وسورية  اللتين ضربهما الزلزال، وكانت تتسم بالمشاحنات تارة وبالتجاذبات تارة أخرى، وكأن كل طرف من الأطراف المتصارعة كان يبحث عما يخرجه من الواقع المتأزم الذي يعاني منه داخلياً وخارجياً، وفيها افترضت أن يكون الزلزال، قد هزّ العالم كمجموعة من القطع الدائرية في إناء، وقد بدأت بالتنقل والتأرجح وإعادة التموضع وفق علاقات جديدة. والثابت في السياسة الدولية، التي جعلت سورية ساحة تصفيات بين أطراف من القوى العظمى وإقليمية متصارعة، تسعى كل منها لتحقيق تحولات جيوسياسية تخدم مصالحها، وكل طرف يرى في نفسه قوة لا يمكن دونه حل الأزمة السورية، وإلى جانب تلك القوى المتصارعة تنتشر المليشيات والتنظيمات السياسية والمسلحة، التي تستغل حاجات ومشاعر الشعب المعاشية والسياسية والقومية والدينية والطائفية، وهُمّشت القوى الراغبة بالتغيير نحو بناء الدولة الوطنية ودولة المواطنة، ونزعت اليد الوطنية في صنع القرار لحل الأزمة والتسوية السياسية وطنياً.

وها قد أتمّت الأزمة السورية عامها الثاني عشر وما زال البحث عن الحل في إطار التحرك الدبلوماسي للاعبين فيها من أجل إعادة التموضع وإثبات الوجود على طاولة الحل.

روسياً التي تحث الخطا لإنجاز التقارب السوري والتركي، وإقناع القوات الكردية بالعودة إلى أحضان الحكومة سورية دون تقديم أية ضمانات (كما يرى بعض قادتها) كي تحافظ تلك على ماء وجهها أمام أهالي الآلاف من الضحايا التي قدمتها في محاربة القوى الإرهابية والمليشيات السورية المسلحة المدعومة من المحتل التركي من جهة، ومن جهة أخرى لا تقدم ما يحميها ويحمي مناطق سيطرتها في حال الخروج من ظل (الحماية الأمريكية) من غزو الجيش التركي برأس حربتها وما يسمّى (الجيش الحر) والمليشيات المسلحة  كالنصرة وأخواتها، والتغيير الديمغرافي من قبل تركيا ومواليها من السوريين في المناطق ذات الصبغة الكردية، من خلال توطين المهجرين من الداخل السوري وشماله، ومصلحة روسيا تكمن في كسب تركيا وتخفيف وطأة عدوان الناتو عليها عبر أوكرانيا، والحفاظ على نفوذها في المياه الدافئة عبر سورية، والنزوع لعالم جديد متعدد الأقطاب.

كما أن إيران التي باتت قاب قوسين أو أدنى لتصبح دولة نووية، فهي تقدم نفسها كطرف لا يمكن من دونه الإقدام على حل الأزمة السورية، واستراتيجيتها تكمن في تأمين ممرها إلى بيروت مروراً بالعراق وسورية.

أما أمريكا التي لا تنفك ترسل بين فينة وأخرى رسائل تحذيرية  لمسار آستانا  فحواها أن: (لا حل في سورية دون الموافقة الأمريكية) ويظهر أنها قد بدأت بتحريك خيوط الملف السوري مجدداً وبجدية من خلال تصريحاتها: (لا تطبيع مع دمشق، لا ضوء أخضر لعودة سورية لجامعة العربية) إضافة إلى زيارة وزير دفاعها المفاجئة وغير المعلنة للعراق وكردستان العراق، وزيارة رئيس أركان جيشها لشمال شرق سورية (منطقة الإدارة الذاتية الكردية) ولقائه بقادة (قسد) و(مسد) التي أثارت الحفيظة التركية، وكملتها منذ أيام بتصويت الكونغرس بأغلبية على عدم سحب قواتها من سورية، إلى جانب التسريبات شبه المؤكدة على أنها تعد ترتيبات للحصول على الاعتراف الدولي بمنطقة شرق الفرات بعيداً عن الصبغة الكردية، إلى جانب تسريبات حول النية الأمريكية لتشكيل حلف عسكري  شرق أوسطي يضم (إسرائيل ومصر والسعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة) واحتمالية ضم (قسد) لاحقاً، كما أنها تسعى لإعاقة مسار أستانة والتفاهم (الروسي والتركي والسوري والإيراني) وتفعيل القرار الأممي ٢٢٥٤ بكل تفصيلاته عبر مسار جنيف.

وبالنسبة لتركيا التي لا تنسى حصة كل من حلب والموصل في ميزانيتها السنوية منذ تأسيسها حتى يومنا هذا، والتي ما زالت تعتبر هاتين المحافظتين ولايتين لها بموجب ميثاقها الملي، وبعد فشلها في استغلال ما سمّي (الثورة السورية) لتحقيق أهدافها الاستراتيجية تلك، وحرصاً من أردوغان على عدم خروجه خالي الوفاض، وليحافظ على ماء وجهه وهو مقبل على الانتخابات الرئاسية، وليكسب التيار القومي التركي إلى جانبه، فقد لجأ إلى الورقة الكردية لكسب الناخب التركي من جهة ولكسب ودّ كل من الحكومة السورية والإيرانية، باعتبار المشكلة الكردية تقلق مضجعهما أيضاً، وهناك تخوف من إقدام تركيا على زج (المعارضة السورية المسلحة) الموالية لها في مواجهة (قسد) لتتخلص من الطرفين، ولتكون الخسائر سورية.

تلك القراءة لواقع الأزمة السورية ودور القوى الفاعلة فيها، التي تتحرك وفق مصالحها، وعلينا نحن السوريين أيضاً أن نحرص على مصلحة بلدنا وشعبنا بكل أطيافه هذا من جهة، ويتطلب من الحكومات في كل من تركيا و إيران وسورية الاهتمام بقضية الشعب الكردي الذي يعيش في دولهم، والذي لم تنطفئ جذوة مطالبته بحقوقه المشروعة في إطار حدود تلك الدول السياسية، وبذلك ستكف يد القوى الخارجية، التي تستخدم وتستغل الورقة الكردية للتدخل في شؤون هذه الدول من جهة، ومن جهة أخرى تكسب ود الشعب الكردي وتضم قوته إلى جانب قوة شعوب المنطقة لمواجهة القوى الإمبريالية الغازية للمنطقة عبر التاريخ .

النمسا -١٢/٣/٢٠٢٣

العدد 1096 - 21/2/2024