البرتقالة

بشار حبّال:

أغلق الباب خلفه ثم ألقى التحية، جلس بوجهه الأصفر قبالتي في المكتب، ودون أن ينظر إلي، وقبل أن يسمع ردّي على تحيته، قال مرتبكاً:

أرجوك أن تمنحيني خمس دقائق فقط وسأغادر بعدها مباشر، أرجوك ان تسمعي فقط ما أريد أن أقوله، لقد أخطأت بحقّك مرّتين.

مندهشة قلت: … مرّتين؟! أنا أعرف واحدة، لكن الأخرى لا علم لي بها، أو نسيتها، هل ترغب بتذكري بها الآن؟!

قال: نعم، المرة الأولى عندما حاولت الإمساك بك وأنت طفلة تحت شجرة الزيتون وهربت مني قبل أن … وهذه تعرفينها جيداً، والمرة الثانية (وهذا مقصدي) أنني لم أرتكب تلك الحماقة فعلاً فتكوني لي وللأبد زوجة كما تقول أعراف الضيعة!!!

لم أصدّق ما يقوله، أو لم أستوعب ما قيل لغرابته، حدقت به وعلى وجهي علائم الاستغراب وقلت: هل انتهيت من هذه الثرثرة أم مازال لديك ما تريد أن تقوله أيضاً؟!

قال: أخجل جداً من فعلتي الأولى، لكني أشعر بالخيبة وهو الأهم من عدم فعلتي الثانية، لأن كل شيء فيك كان يدفعني للجنون، صحيح أنك كنت طفلة ولم تتجاوزي السادسة عشرة، وأنا كنت قد تخرجت حديثاً في دار المعلمين، لكن جمال صباك كان أكبر من عمرك كثيراً، كنت أميرة دون أن تدرين، لون الشمس على شعرك وطولك الفاخر وقدّك الجميل لم يكن يترك لي أي خيارات عاقلة، لقد أحببتك من ذلك الصيف الأغبر وما زلت احبك، وأتذكر كيف رميت على وجهي برتقاله ممزقة وهربت بعيداً عني تطاردك جلافتي وسوء تصرفي، والخوف الذي اعتراني من وقع الفضيحة في الضيعة! ما زالت صورتك برأسي حتى اليوم، حتى إني أحتفظ بصورة لك، ومدّ يده إلى محفظته وأخرج بعض الصور لأولاده، ومن بينها صورة لي، وقال: هل تذكرين هذه الصورة ودفعها إليّ (صورة لي بالأسود والأبيض لطفلة أنا نسيت ملامحها) أحتفظ بها مع صور أولادي منذ خمسٍة وثلاثين عاماً، وهي لم تفارقني في أي يوم، منتظراً الفرصة لأقول لك ما أقوله الآن، ربما تعذريني وأرجو ذلك، أحاول منذ أن التقيتك صدفة أن أعتذر لك، ولكن في كل مرة كنت ألمح الكره في عينيك، أنت محقة في ذلك، ولكن من حقك علي أن أعتذر عن ذاك اليوم الأسود بالنسبة لك واليوم الخائب بالنسبة لي.

لقد سافرت بعيداً ليس هرباً منك ولكن من أجل العمل، وقد عدت منذ عامين، لكن صورتك لم تفارقني، وفعلتي تقتلني كلما شاهدتها، كان يمكنني أن أطلبك للزواج لأصلح غلطتي الأولى ولكني لم أفعل ولا أعرف لماذا، ربما خجلاً منك ومن نفسي، كنت تستحقين سلوكاً أفضل لكن شهوتي غلبتني، هل أبرر ما فعلت؟ لا، ما فعلته كان مشيناً وأنا أعرف ذلك، لكنك ما زلت في بالي وكأنني أشاهدك أول مرة. لقد قلت كل ما عندي ولك الخيار بقبول اعتذاري أو رفضه. أنا أمامك الأن تستطيعين أن تفعلي ما تشائين وسأكون سعيداً أن تأخذي حقك بالطريقة التي تعجبك.

نظرت إليه ملياً لا أعرف بماذا أجيب، كنت في قمة حقدي عليه الذي استفاق من غفوته مرة واحدة؟ واستعدادي لأن أدوسه بأقدامي لنبشه هذه الذكرى المقيتة التي غيّبها الزمان.

لكن ما حصل ولغرابتي أنني شعرت بالشفقة عليه، رأسه بالأرض يداري إرباكه وخجله، لقد مضى زمن طويل على هذا الأمر، لكني ما زلت أذكر ذلك اليوم المشمس حين استوقفني على أطراف الضيعة وتحت أشجار الزيتون في طريقي لزيارة أختي في الضيعة القريبة، ثم ضمني إلى صدره بقوة وبدأ يلهث ويرتجف حتى إن البرتقالة التي كانت بيدي سال عصيرها علي ثيابنا، فشعرت بالوجع يطبق على صدري والخوف يمسك بجسدي وهو مازال يشدّ ويهمهم، أبعدته بكل القوة التي منحني إياها الرعب المفاجئ، ولقرفي الناشئ من عصير البرتقال وهو يسيل على يدي وثوبي مثل دم الجريمة، ودون أن أدري قذفته بالبرتقالة على وجهه ثم هربت بعيداً، ولكني (ولدهشتي الآن) لم أبكِ، كنت أتألم فقط، كانت لحظة خاطفة لم أعرف لماذا عانقني بتلك القوة والشدة، وهذا الإرباك الذي أصابه، أنا أعرفه جيداً وكنت أحبه مثل أي شاب كبير أمام فتاة دخلت مرحلة المراهقة، خاصة حينما كان يغني بصوته الجميل لعبد الحليم حافظ أغاني الحب والغرام حين تجمعنا أماسي الضيعة، وكيف كان يطير بنا على أجنحة الحب بعيداً، كان غناؤه سحراً يشيلنا على بساط الريح نحن والحبيب، فحاول اقتناصي (لا ليست هي الكلمة المناسبة) حاول أن يعبّر عن حبه بطريقة الفلاح التي تحكمه أسرار الطبيعة البدائية في خلوة عابرة ودون إعداد مسبق هكذا مثلما تفيق الشهوة على عجل، فتحطم كل الأحاسيس الجميلة التي نبنيها في ليالي السهر. لم يكن سيئاً خلال معرفتي به وسهراتنا مع أهل الضيعة، كان جميلاً ومدهشاً حين يغني وينتزع آهات الصبايا والمراهقين شبّاناً وبنات.

خمس وثلاثين عاماً مرت وها هو ذا الآن أمامي يستجدي الصفح عنه، لماذا؟ هل مازال يحبني؟ أجل، أشعر بذلك من بريق عينيه، لقد نسيته نهائياً، لكني ما زلت أكره البرتقال وعصيره، لقد أحببت وعشت كل تفاصيله الجميلة والمؤلمة، وأدركت من تجربتي مآسي الحب وشجن الأيام، ورعونة العاشقين ومراهقتهم، كنت أنظر إليه وهو يتحدث وكيف كان يحاول إخفاء حبه المرتبك، اعترافه واعتذاره، لم يكن هشا ومهزوماً أمام قوتي التي ألسعه بها، كان يدافع عن حبه بطريقة التعري من الأخطاء، اعتراني شعور جديد بالشفقة عليه جفف الألم بداخلي، ومثلما غيبت الأيام آهات وآهات، هو الزمن يرعى الإنسان فينا لنعبر جسور الخيبات والأسى، فوجدت نفسي أسمع قصة عن فتاة اسمها سلمى دخلت أول تجربة للحب دون أن تدري على أنغام وصوت عبد الحليم حافظ، ثم خذلها هذا الحبيب ورحل بعيداً كما هي في الأغاني.

 

العدد 1096 - 21/2/2024