عن مشروع قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية و(الدراما التواصلية).. ماذا بقي للإعلامي والمواطن؟

 سليمان أمين:

بعد أن باتت وسائل التواصل الإلكترونية المنبر الوحيد للشعب، وحلت محل الصحافة لترميم عيوب البلد، وما تعيشه من قرارات خارجة عن روح القوانين الناظمة ومخالفة للدستور، طبعاً بعد غياب الصحافة الورقية إلى أجل غير مسمى، أطلّ علينا مشروع (استحقاق) قانوني مرعب جديد.. فمن خلال مشروع لتعديل قوانينها نحو الأقسى، شددت السلطة الخاصة بمكافحة الجريمة الإلكترونية من خلال مشروع التعديل المطروح العقوبات، يصل بعضها إلى سبع سنوات سجن وغرامات مالية كبيرة.. وتضمّن المشروع غيرها من العقوبات التي تحد من حرية التعبير المنصوص عليها بالدستور وحقوق الفرد في مجتمعه.

 

مشروع لحماية الموظف الحكومي.. ولكن أي موظف هذا؟!

والمشروع  كما صار معروفاً أثار كثيراً من النقد حتى قبل تعديله، أما أخطر مواده (المعدلة) فتعاقب بالسجن المؤقت من ثلاث إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية من مليونين إلى أربعة ملايين ليرة كل من قام، بإحدى وسائل تقانة المعلومات، بنشر أخبار كاذبة على الشبكة، من شأنها النيل من هيبة الدولة أو المساس بالوحدة الوطنية أو إثارة الرأي العام! وهذا البند بالذات فضفاض، فهناك الكثير من القضايا الجرمية وحالات الفساد والظلم والفقر وغيرها تندرج تحت قضايا الرأي العام الذي يجب أن يثار ليفرض علاجها وفق القوانين الناظمة للبلد، وإن توقف الرأي العام فسلام على البلد وشعبه ومؤسساته. ومخاطبة الرأي العام هو الهدف الأسمى للصحافة والإعلام، وكم من القضايا الجرمية والإنسانية جرى التوجه لعلاجها، بعد أن أثيرت عبر منصات التواصل الاجتماعي! كما يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة مالية من 500 ألف إلى مليون ليرة، كل من قام بنشر أمر على الشبكة بإحدى وسائل تقانة المعلومات ينال من شرف موظف عام أو كرامته في معرض ممارسته لوظيفته، وتنص على أن للنائب العام أن يحرك الدعوى العامة، أو يأمر بتحريكها، في جرائم النيل من هيبة الدولة أو النيل من هيبة الموظف. والجرائم التي تقع على الموظف أو على الدولة المنصوص عليها في هذا القانون، وإن لم يقدم الموظف المتضرر شكوى أو ادعاء شخصياً. ونقف هنا عند هذا البند الذي يمكن أن نعتبره حماية حقيقية للفساد وأسياده، ويعمل على تقييد الصحافة، وبهذا يناقض كل القوانين الأخرى والخطب التي تنص على محاربة الفساد وضرورة الإشارة إليه بشكل واضح وصريح.

وكما نلاحظ فقد تكرر اسم (الموظف) بقوة في (تعديل القانون)، فأية حماية ينالها (الموظف) في مواد هذا المشروع؟ بل أي (موظف) هذا الذي ينال كل تلك الحماية؟ فإذا كانوا يقصدون (الموظف المدير) فهو لا يحتاج إلى كل تلك الحماية والمؤازرة القانونية القضائية والعقابية، لا سيما وأن هذا (الموظف المدير)، وفي كثير من الحالات، تحميه قوانين الوظيفة العمومية وعلى رأسها قانون العاملين الموحد وتعديلاته، هذا إذا افترضنا جدلاً أن هيئة الرقابة والتفتيش وغيرها من بعض السلطات، لا تحميه حين يرتكب المخالفات! فلماذا يركّز المشرّع والمشروع على حماية هؤلاء بالطرق العقابية المزعجة والمؤلمة؟ وفي حالة وقوع واقعة (اعتداء) إلكتروني على سمعة موظف، فهل تكون قد وقعت هكذا دون عسف واستفزاز وظلم مرتكب من قبل الموظف؟!

 

رحلة شكاوى بلا جدوى تستقر في وسائل التواصل

يلجأ المظلومون إلى منصات التواصل الإلكتروني بغرض بث شكاواهم والتعبير عن آلامهم، بعد طي تلك الشكاوى وجعلها في مهب فساد الإدارات، ففي كثير من الأحيان لا وزير يسمع أو يقرأ أو يقرر، ولا مدير يتفهّم، ولا هيئة ذات اختصاص تنظر في المطلوب أو في حالة قصاص، مما يحوّل (الموظف) المحتمي بقانون الجرائم الإلكترونية، منتصراً على المواطن والمصلحة العامة، والأمثلة كثيرة، ويمكن أن نراجع القضايا التي توقف البت فيها بالمحكمة الإدارية لنعرف مدى تحكّم حيتان الفساد في بعض المؤسسات بإيقاف هذه القضايا وأغلبها قضايا ظلم بحق خبراء وأكاديميين مؤسساتنا بأمس الحاجة لهم اليوم.

 

.. النقل بالزعرور!

وفي هذا السياق صدر قرار (لجنة صناعة السينما والتلفزيون) بمنع نشر (أي محتوى فني) على وسائل التواصل الاجتماعي، دون ترخيص:

ويشمل هذا القرار أي محتوىً يخص الموضوع الدرامي بعيداً عن أي شيء شخصي، وكل محتوى يتضمن مشاهد و(سكيتشات) من الممكن عرضها على شاشة التلفزيون.

وقد استُهدف في هذا القرار حسب رأي لجنة صناعة السينما بعض الصفحات التي (تقدم محتوىً يحمل فكراً مسيئاً كالمسيئين لبعض اللهجات السورية ومحتوى +18…). أما المقاطع التي تتضمن أسئلة الشارع واستطلاعات يتم عرضها على وسائل التواصل، فتعتبر من اختصاص قانون الإعلام الذي سيصدر قريباً، مثل الأشخاص الذين يطرحون آراءهم على صفحاتهم الشخصية، استناداً إلى لجنة صناعة السينما. وهنا نتساءل: هل يتمتع أعضاء هذه اللجنة بالإبداع الأدبي والفني بشقيه الدرامي والسينمائي والمسرحي؟ وما مدى خبرتهم؟ فمن الأفضل أن تتوجه هذه اللجنة لمعالجة المحتوى الدرامي المبتذل والمشوه الذي تنتجه مؤسسات الإنتاج اليوم.

وعن آلية الترخيص التي رأت اللجنة أنها (سهلة جداً)، فهي ليست كذلك، لأنها تتطلب خطوات روتينية مملة وتستغرق وقتاً طويلاً وكأن المحتوى فيلم سينمائي حقيقي، فعلى الراغب ببث هذا النوع من الدراما البسيطة التقدم بطلب للجنة مع الأوراق الثبوتية، ثم تُحال للجنة التقييم الفكري، كما سيكون هناك لجنة لتقييم هذا العمل الفني!

وبالتالي فالقرار المذكور هو تحدٍّ لحق حرية التعبير، وهو يهدد (المخالفين) المزعومين بتحريك ادعاء مباشر ضدهم وإحالتهم إلى (إدارة الأمن الجنائي، فرع الجرائم المعلوماتية).

 

النجدة!

بعد كل ما سبق ذكره، هل ستغص صالة الاستقبال في إدارة مكافحة الجريمة المعلوماتية بالمخالفين الجدد من أصحاب المواهب الدرامية الاجتماعية البسيطة؟ لا سيما أنه لا مكان في تلك الصالة لمخالفين جدد، ما دام قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية بات لا يميز بين مخالف وآخر بريء، بخصوص تجريم كل من ينتقد عمل الحكومة، حتى لو كان إعلامياً وحائزاً على صفة إعلامي وبطاقة (صحافي).

أمام كل هذا التشدد والقسوة في القوانين، ما علينا كمواطنين وإعلاميين سوى الاستنجاد بـ(النجدة)! فهي موجودة قبل كل تلك القوانين من أجل حماية المواطن!

العدد 993 - 19/01/2022