هل نرحل؟!

د. أحمد ديركي:

عند الاستماع إلى الخطب السياسية الرنانة حول الصمود والبقاء والوطنية والتضحية في سبيل الوطن.. وما يتبعها من شعارات تصمّ الآذان من وقعها الجبار على حاسة السمع، يظن المستمع وكأن من يرحل يخون شعبه وأرضه ووطنه وعائلته و… إلخ.

لكن لحظة! كلنا مع كل هذه الخطب الرنانة ومع الشعارات التي نسمعها يومياً وفي كل ساعة في خطب المسؤولين السياسيين وغير السياسيين، ولكن هذه الشعارات تصبح شعارات جوفاء لا معنى لها ما لم تكن فعلاً مترجمة على أرض الواقع. وإن لم تكن ترجمتها على أرض الواقع صحيحة تصبح الشعارات المضادة، وإن كانت كاذبة، أقوى تأثيراً.

كيف للشعب أن يصمد في بلد تزيد فيه نسب الفقر عن 80%، ويقابل هذه النسبة أي ما يقرب 5% من بقية الشعب يملكون ثروات طائلة ويبذخون بذخ السلاطين والأمراء وملوك النفط!

يبذخون إلى حد التخمة مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك 80% من شعبهم يعيش دون خط الفقر، وكثيرون منهم يبحثون في القمامة عن لقمة عيش! كيف لهذا ألّا يكون ومتوسط الأجور لا يتعدى 70 ألف ليرة شهرياً! بينما إيجار غرفة في الأحياء الفقيرة الشعبية الخالية من كل الخدمات أكثر من هذا المبلغ! كيف لمن يتقاضى هذا الراتب الشهري أن يعيش؟

لقد أغلقت سبل العيش على الشعب، ولم يعد من مفر أمامه سوى (السرقة) المشروعة من أي مواطن آخر، بغض النظر عما يمكن أن يطلق من تسميات على هذه السرقة (رشوة، هدية، إكرامية…)

من ناحية أخرى السبيل الوحيد للعيش بكرامة يكمن في الرحيل إلى أية بقعة جغرافية أخرى، وإن كان الثمن هو المجازفة بالحياة. إن وصل المجازف بحياته إلى هذه البقعة الجغرافية، وغالباً ما تكون أوربا، يطلب اللجوء ويتقاضى (معونة) تكفيه تكاليف عيشه هناك، ويوفر قليلاً ليرسلها لأهله هنا كي يقيهم ذلّ العيش. وعندما يعمل يرتفع أجره وترتفع معونته لعائلته هنا، وتبدأ هذه العائلة بالعيش فوق خط الفقر وفقاً لمستوى الدعم الذي يأتيها من ذاك (المهجّر).

فتتحطم الآمال بالعودة إلى الوطن، وينتفي الصمود، وتنتفي معه كل مغريات العودة، لأنه إن عاد، بغض النظر عما يمكن أن يلاقيه هنا من عقبات، سوف تجوع عائلته، وتجبر على البحث في القمامة لتأكل.

بينما أصحاب الميارات الساكنين في أحياء النجوم السبع لا يكلفون أنفسهم حتى بسماع صوت أجير لديهم يطالب بزيادة أجره. ولا يوجد أحد ليقول لهم: من أين لك هذا؟!

ويصبح لسان حال الجميع: أليس الرحيل في هذه الظروف أفضل من البقاء وسماع خطب جوفاء؟

انتبهوا أيها السادة، ستتحملون نتائج لجوء الناس إلى الهجرة، وإفراغ البلاد من خيرة أبنائها، إذا لم تبادروا إلى وضع خطة عاجلة لتحسين الأوضاع المعيشية.

ما فائدة الدعوة إلى الصمود إذا هجر الصامدون بلادهم؟؟!

العدد 987 - 30/11/2021