الفقر عدوّ الإنسانية الأول.. بين المأساة والحلول

يارا بالي:

(لو كان الفقر رجلاً لقتلته)، هذا ما قاله الإمام علي عليه السلام، في وصفٍ دقيق مختصر، يظهر فيه مدى بشاعة الفقر، وحجم القهر فيه. هو الفقر مرض الشعوب الأعظم، ولعنة الحرب الأزلية، وأكثر الطرق شيوعاً للسيطرة على الأفراد، والمجتمعات، منذ الأزل وحتى أيامنا هذه. ولم يعش الإنسان على مرّ العصور ظلماً وقهراً إلاّ وكان للفقر يدٌ فيه، ولم تعرف البشرية حرباً، ونزاعاً إلاّ وكان المال ونهب الثروات سبباً رئيساً فيه.

فما الأسباب الكامنة وراءه؟ وما التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للفقر على الأفراد والجماعات والدول؟ وهل من حلول ممكنة للنهوض بهذا الواقع، وبناء واقع جديد أفضل تحياه الأجيال القادمة بسلام؟

تأتي الحروب وداعموها في مقدمة الأسباب الكامنة وراء الفقر، وهشاشة الدول والمجتمعات، إذ يُعدّ النهب والسيطرة على مقدّرات الدول والشعوب فتيلاً للحرب، التي ما إن تشتعل حتى يدبَّ الخراب، وتتزايد الفوضى، ويعمّ الفساد والأزمات في أرجاء الدولة المطموع فيها، وهذا ما يجعل الفقر نتيجة حتمية لأي بلد عانت مرارات الحرب، وأطماع الدول الرأسمالية فيها، فالدول الجائعة غاية كل طامع، حتى يسهل عليهم السطو والسيطرة عليها، ويضمنوا استمرار مصالحهم في هذه الدول النامية. كما تُعدُّ هجرة الشباب والأيادي العاملة والعقول إلى الخارج أحد أهم أسباب ضعف الدول وعجزها. وما إن يدبُّ الضعف والفقر في صفوف أي دولة، ونسيجها الاجتماعي، حتى تتكاثر فيها البطالة، وتتراجع العدالة الاجتماعية، ويعمَّ الجهل؛ إذ يُعدُّ العجز المادي والفقر من أبرز الدوافع لترك العلم، وكل أسباب الحضارة وبناء الفكر، فالجائع مسحوب الإرادة والقوة، لا يفكر إلاّ بالرغيف وحفظ الكرامة من ذلّ الجوع والعراء.

وبإمعان النظر أكثر في المجتمعات النامية الفقيرة، سنجد فيها أعظم مستويات في البطالة، والجريمة، وإدمان المخدرات، وانتشار الأمراض، والتشرّد، وعمالة الأطفال، وتسريبهم من المدارس.. ولا نبالغ في القول إن الفقر أساس دمار الدول، وانهيار الحضارات، إذ لا تطوير ولا مدنية لدولة عاجزة عن استثمار طاقاتها الطبيعية والبشرية، ولا إن كانت الأسباب خارجية كالاستعمار المباشر أو غير المباشر، أو أسباب داخلية كالفساد، وسوء الإدارة.

واليوم، بعد مضيّ عقد كامل على الحرب السورية، فقد تضاعف الفقر في المجتمع السوري بشكل مخيف، وغزت الأزمات يوميات المواطن، وخيّم اليأس على الغالبية، وغدا السفر هو الخيار الأوضح أمام الشاب السوري، فمن المؤسف أن يكون أكبر أحلام الشاب السوري هو الخروج من وطنه؛ ليضمن حياة كريمة لنفسه، ويؤسّس لبناء أسرة متوازنة، لا تعاني النقص، والحرمان، وتمتلك أفق التفكير والتطوير!

العدد 987 - 30/11/2021