إفقار الشعوب خطوة نحو استعبادها والنيل من قيمها وفرص تقدمها

محمد نذير جبر:

لعلَّ خير ما نستهلُّ به هو السؤال: ما هي الدولة؟ هي في أهم أبعادها: إدارة موارد وثروات البلاد بما يخلق الفرص المتساوية ويحقّق العدالة والتنمية والتطور في شتّى الميادين الاقتصادية والاجتماعية التعليمية والتربوية والثقافية والأمنية والفنية.. إلخ، ويقاس نجاح الدول في التطور الاقتصادي الذي تحقّقه كل حكومة في الدول الديمقراطية. أي أن كل سياسات الدولة في الصناعة والانفتاح التجاري.. وصولاً إلى السياسات التعليمية وسياسات تطوير القطاع السياحي.. إلخ، كل سياسات الدولة يجب أن تصب في صالح تطوير اقتصاد البلاد، لأن الاقتصاد هو الحامل لجميع مؤسسات الدولة المختلفة، ولذا نرى الدول ذات القيادات الحكيمة تدرك مقدار أهمية التغذية الراجعة بين القطاع الاقتصادي وجميع مؤسسات الدولة الأخرى، بمعنى اقتصاد قوي يعني جيشاً قوياً مُجهّزاً بأحدث الأسلحة، ويعني تعليماً جيداً وطبابة جيدة.. إلخ، أي مجتمعاً قوياً نامياً حصيناً مزدهراً بتسارع مُركب. بينما كثيرٌ ممّا يُسمّى (الزعماء العرب) يسعون إلى المجد الشخصي، وإلى لعب دور أكبر من حجم بلادهم الفعلي، وهذا غير متاح إلاّ في خيالهم وأوهامهم التي تغذيها الطبقة المُتنفّذة الفاسدة لتشغلهم بقضايا كبرى عن محاربة الفساد، التي تُعدُّ ضرورة لارتفاع عوامل قوة البلاد الفعلية. ولذلك نرى كثيراً من الدول العربية في وضع)الجمود) أو النمو الاقتصادي البطيء لأن السياسة فيها ليست في خدمة الاقتصاد وإنما تُرسم بنسبة كبيرة لخدمة الطبقة المُتنفّذة وليس لخدمة المجتمع ككل، لذا هناك ضرورة للانفتاح التجاري وتحديث القوانين التجارية والتخلّص من التعقيدات بذرائع أمنية، التي تُضيّع فرصاً استثمارية كبيرة على البلاد، وفي المحصلة الانفتاح التجاري المدروس نقيض الاحتكار وهيمنة حيتان المال على مفاصل الاستيراد والتصدير وحتى التهريب. ومن هنا يرتبط الإفقار وبطء النمو الاقتصادي وبالتالي تخلّف الدولة عن مواكبة بقية الدول وبالاستبداد الممتد، لأن تمركز السلطة بيد حفنة من الناس وتخويف الحاشية الدائم لهم، وبثِّ الفتن من قبل الطبقة المُتنفّذة بين الشعوب وقياداتها كل هذا يقود إلى تقديم الولاءات على الكفاءات، وإلى الخوف من الانفتاح والتغيير، وإلى السعي لإبقاء مقدرات وثروات الدولة في قبضة فئة محدودة تشكل طبقة مُتنفّذة تزعم الموالاة المطلقة.

إن الفقر يجبر الناس على التنافر والصراع من أجل تحصيل مقومات الحياة الأساسية، ويؤثّر على القيم الاجتماعية التي تشكل العامل الجامع لأبناء الوطن الواحد، أي أنه يضرب الجامع الأخلاقي والقيمي شيئاً فشيئاً، حتى لا يصبح بين الناس ما يجمعهم سوى الرغبة في اقتناص الفرص وتحقيق كسب سريع بأي طريقة للخلاص من ذل الفقر، وفي هذا ضرب للتجانس المجتمعي، وتسهيل لمشاريع الغزو الغربي والتوسع الصهيوني في المنطقة العربية، يتراجع فيه الحسّ والانتماء الوطني وكل الروابط الاجتماعية في المجتمع المُفقر بسبب تفريط الناس بقيمهم مقابل لقمة العيش، حيث يكثر من يعمل في الأنشطة غير المشروعة مثل الدعارة والمخدرات والجريمة المنظمة والعمالة للغرب الاستعماري والارتزاق.. إلخ. وبما أن مجتمعاتنا العربية ليست معتادة على إظهار تفريطها بقيمها فسيستشعر المواطن النفاق الاجتماعي بسبب إظهار التمسّك بالأخلاق في الوقت الذي تفرض فيه الظروف فرص وعوامل لانحسارها كتراجع الوعي بسبب تراجع القطاعات التربوية والتعليمة، وتفشي ظاهرة الرياء والنفاق في مجتمع ما، ممّا سيضعف تجانسه ويعطي فرصة للغرب الاستعماري الانتهازي لتقسيمه مستغلاً الملامة والتهم المتبادلة بين مكوناته الطائفية والاثنية.. إلخ.

الفقر باختصار، يعني نكوص الإنسان وانكفاء كثير من الناس عن التعليم والإبداع وكل ما من شأنه رفد البلاد بالطاقات الخلاقة القادرة على دفعه إلى التقدم والتطور والريادة. وإذا نظرنا إلى التاريخ القريب نجد أن العدوان الأمريكي على العراق في حرب الخليج الأولى لم يظفر بالنتائج التي حقّقها في حرب الخليج الثانية لأنها أعقبت الحصار الاقتصادي على العراق وإفقاره.. فقد سقط العراق خلال 15 يوماً تقريباً في حرب الخليج الثانية لتكون من أسرع الهزائم لبلد في مثل هذا الحجم. لكن من يستطيع أن يقنع الحكام العرب المتخمين ومن حولهم بكل المخاطر التي يخلقها الفقر؟

العدد 987 - 30/11/2021