منظمات المجتمع المدنية سياسية بلا سياسة

د. أحمد ديركي:

تضجّ وسائل الإعلام بالنشاطات (الإنسانية) لمنظمات المجتمع المدني، وتفتح لها الأبواب لتدخل إلى أية دولة تشاء، وتعطى وتمنح امتيازات لا حصر لها، تحت حجة أنها منظمات (إنسانية) لا تتعاطى الشأن السياسي، وتعتبر هذه المنظمات التعاطي بالشأن السياسي (رذيلة) يجب القضاء عليها، وهذا فعلاً ما تقوم به. ولكن هل فعلاً هذه المنظمات، سواء كانت محلية أم دولية، لا تتعاطى الشأن السياسي؟ أم هي منظمات سياسية لضرب الأحزاب السياسية وتحديداً اليسارية والشيوعية، على اعتبار أن هذه الأحزاب تحمل مشروعاً بديلاً لما هو قائم في ظل نمط الإنتاج السائد؟

مفهوم المجتمع المدني ظهر مع تشكّل نمط الإنتاج الرأسمالي، وتحدّث عنه مفكرون كثر، من امثال توماس هوبس وجون جاك روسو، وكانوا يرون المجتمع المدني تعبيراً عن طبيعة البشر، وعملوا على كيف يمكن إدارة هذا المجتمع لتجنّب الكارثة. فما هو المجتمع المدني؟

المجتمع المدني: نظام من العلاقات الاجتماعية يعتمد على تعاون الناس بشكل مستقل عن الدولة والعائلة. وظهر في أوربا في القرن الـ 17، وقد تكون أول منظمة مجتمع في حينها هي منظمة (مناهضة العبودية).

ويستخدم اليوم مصطلح (المجتمع المدني) في بعض الأحيان ليشير إلى نشاط خارج الدولة ورأس المال، لتمتين (حكم القانون) في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى ليشير إلى تطور التعاون التطوعي بشكل مستقل عن العلاقات التجارية.

ومن أبرز مكونات تعريف منظمات المجتمع المدني: الابتعاد عن أي قرار سياسي: إذ يجب على هذه المنظمات عدم التدخل في أي قرار سياسي مهما كان، كذلك عدم اعتبار أيّة منظمة من المنظمات هذه واجهة لأية جهة أو حزب أو نظام سياسي، كما يجب منع السياسيين من تولي أو قيادة أي منصب من المناصب الخاصة بها.

ويتكون المجتمع المدني من النقابات والتنظيمات المهنيّة، مثل نقابات الهندسة والنقابات العماليّة. المؤسسات الدينية من مساجد وكنائس ودور عبادة. المنظمات والنشاطات الاجتماعيّة والعائلية. المنظمات الشعبيّة والجماهيرية. الأندية الاجتماعية والرياضية ومراكز الشباب. منظمات الشعوب الأصلية.

أي على هذه (المنظمات) عدم التدخل بالشأن السياسي، وهذا ما يخفي واقعها السياسي. وهنا يمكن طرح العديد من الإشكاليات المتعلقة بالعمل السياسي لهذه (المنظمات). ومن هذه الإشكاليات من المسؤول عن تسبب الفقر بين سكان الدولة؟ طبيعة النظام الاقتصادي المتحالف مع السلطة السياسية القائمة؟ أم أن الفقر مسألة من طبيعة المجتمع البشري؟ إن تحالف الاقتصاد مع السياسي هو السبب فالحل اقتصادي سياسي. وإن كان من طبيعة المجتمع البشري، فلا حل له لأنه من المكونات الطبيعية للمجتمعات البشرية. وهنا نتساءل: ما دور منظمات المجتمع المدني في هذه العملية؟ وكيف لها ألا تتعاطى السياسة إن كان السبب يعود إلى طبيعة التحالف السياسي الاقتصادي؟

هل التعليم المجاني من حق كل مواطن وعلى الدولة أن تؤمن له هذا أم لا؟ إن من حق المواطن على الدولة أن تؤمن له التعليم المجاني، فما دور منظمات المجتمع المدني هنا؟ فهذه علاقة سياسية بين المواطن والنظام السياسي. وكذلك الأمر بالنسبة للطبابة وتأمين الخدمات والبنى التحتية …إلخ.

وإن كانت هذه (المنظمات) فعلاً كما تدعي (عدم التدخل بالشأن السياسي) فلماذا تتلقى الدعم المادي من السلطات السياسية؟ على سبيل المثال لا الحصر تلقت منظمة (أوكسفم) مبلغاً يساوي ربع موازنتها من الحكومة البريطانية، ومنظمة (Care) 70% من موازنتها من دعم حكومي. فهل تمنح الحكومات الأموال والتسهيلات لهذه المنظمات، سواء كانت محلية أو دولية، كنوع من الصدقة أو الهبة، لأن الانظمة السياسية تهتم بالشأن (الإنساني)؟ أم دعمها مرتبط بهدف سياسي مخفي؟

الإجابة تكمن في ما كتبه الدكتور طنوس شلهوب ويقول: (إن التغيير لا يمكن ان يحدث من دون حزب سياسي ثوري يقود عملية التغيير) [وإن منظمات المجتمع المدني بمعظمها] ليست سوى أدوات تستخدمها الجهات والبلدان التي تمولها)، ليتم من خلالها ترويض واستيعاب الطاقات الاعتراضية للشباب، بدلاً من التحاقهم بأحزاب يسارية ثورية).

أي منظمات المجتمع المدني التي (لا تتعاطى الشأن السياسي) بالعلن تتعاطاه سراً بالتعاون مع الأنظمة السياسية وبدعم من المنظمات الاقتصادية، للقضاء على الأحزاب اليسارية والشيوعية، لأنها أحزاب تحمل مشاريع تغييرية لما هو قائم. ولتأكيد دعمها اقتصادياً، هناك ما لا يقل عن 15 مشروعاً تنفذه هذه المنظمات مدعومة مالياً من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي!         

 وبهذا تكون منظمات المجتمع المدني أو المنظمات اللاحكومية (NGOs) منظمات لا ربحية، لمجموعة من المواطنين المتطوعين وبشكل مبدئي مستقلين عن الحكومة ومنظمين مناطقياً أو محلياً أو دولياً لمواجهة قضايا لدعم الشأن العام.  

العدد 944 - 20/1/2021