أكرِم أباك وأمك!

ريم داوود:

(وقضى ربّك ألا تعبدوا إلاّ إيّاه وبالوالدين إحساناً) صرخة، بكاء، آلام وابتسامة تختصر كل معاني الحياة والفرح.. إنه المخاض رغم كل الآلام والعذابات التي مرّت بها تلك السيدة، لكنها ابتسمت لحظة مشاهدتها وجه طفلها النيّر بعد طول انتظار.. تُقبّله، تُعانقه، تُهدهده وتقدم له من الوعود والأمنيات ما تستطيع.

يحدو الأمل آباؤنا وأمهاتنا في أن يجنوا ثمار غرسهم الذي زرعوه وسهروا الليالي في سبيل رعايته، وينظرون بعين الرجاء إلى أبنائهم متأملين أن يردوا لهم قسطاً من الدين الذي لهم في أعناقهم عندما يحتاجون. نعم، إنها دورة الحياة ننتقل فيها من طور إلى آخر، ففي الماضي كُنّا أطفالاً واليوم نحن شباب، وغداً مُسّنون.

كثيرون يهابون ويتجنبون حتى التفكير في سنّ الشيخوخة، إذ ينتابهم إحساس بأنهم أصبحوا بلا فائدة فتستقر في قلوبهم مشاعر اليأس والوحدة، وتغزو حياتهم الكآبة والحزن. يواجه المسنّون في هذه المرحلة مشاكل عديدة تتمثّل بواقع صحي اجتماعي ونفسي متردٍّ، ذلك أنهم وقبل كل شيء يحتاجون إلى الشعور بالأمان والتقدير والمحبة، أي أنهم يحتاجون لإشباع الجانب الوجداني. لقد اختلفت الأمور عمّا عهدناها منذ عقدين أو أكثر، فسابقاً كان الطابع الغالب للحياة يقتصر على بقاء الأبناء في منزل العائلة عازبين كانوا أم متزوجين متقاسمين صعوبات الحياة، متعاضدين متكاتفين بعضهم مع بعض ضمن منزل العائلة الواحد الذي يترك أثراً إيجابياً على الآباء (صحياً ونفسياً) والأبناء معاً. لكن، ومع تطوّر الحياة وتعقيداتها تغيّرت أمور ومفاهيم كثيرة شهدنا ضمنها هجرة الأبناء، خروجهم للعمل في محافظات أخرى، الزواج والاستقرار خارج منزل العائلة.. الخ، وهذا شكّل أثراً سلبياً على الأهل.

في تجربة خاصة عشتُها مع بعض المُسنّين والمُسنّات في إحدى دور الرعاية المعروفة بامتيازها فيما تقدمه من خدمات ورعاية لنزلائها، بحثنا فيها أوضاعهم وحياتهم، وعلى الرغم من كل ما كان يُقدّم لهم، كنت أفتقد البهجة دائماً على وجوههم، كان الأمل قد فارق حياتهم، واليأس غزا بواطنهم.. وعند سؤالي لهم عن سبب حزنهم تقاطعت الإجابات في صوت واحد (الواحد بيربي وبيتعب كل عمروا ليلاقي ضناه حدّو مو يكبّو هالكبّة، بس بتعرفي الله يعينن دوبن يلحقوا! الوقت صعب!). غصّت الدموع في مقلتي فعلى الرغم من كل الألم والأذى لا يزال الأهل يخلقون الأعذار لأبنائهم.

لقد تنوّع حال المقيمين داخل الدار، فمنهم من فقد أبناءه، ومنهم من اختلف الأبناء على إعالته، ومنهم من وجدوا في دار الرعاية ملاذاً لهم من قسوة الحياة.. رحتُ شريدة البال أفكّر: أليس لهؤلاء العاجزين حق على أبنائهم؟ وهل عبّر هؤلاء يوماً عن كلل أو ملل في تربية أولادهم وتأمين احتياجاتهم كما يفعلون هم اليوم؟ كم دارت أمهاتهم خطاهم من السقوط؟ وكم سال عرق آبائهم في سبيل تأمين غذائهم؟ كم من الليالي سهروا يهدهدون صغارهم الذين تنكروا لهم في كبرهم ونسوا قوله تعالى (وبالوالدين إحساناً)؟

كثيرٌ من الإساءة يتعرّض لها كبار السن في حال لم يعودوا قادرين على إعالة أنفسهم سواء من المقربين أو من المجتمع كالإساءة المادية، الأذى الجسدي والإهمال، فهل يستحق كبارنا الذين كانوا في يوم من الأيام عماد مجتمعنا منّا هذه المعاملة، أم أن رعايتهم وصون كرامتهم واجب أخلاقي وطني؟ أليس من واجب الحكومة أن تُعنى بحال مسنّيها فتؤمّن لهم في أواخر حياتهم سبل المعيشة والكرامة دون الحاجة للجلوس على قارعة الرصيف أو بيع المكانس أو حتى انتظار من يحنُّ عليهم؟

كبارنا هم عزّنا وفخرنا، هم الماضي الذي قادنا للحاضر وأسس للمستقبل، وجب علينا رعايتهم وصون كرامتهم في سني حياتهم الأخيرة، ولنتذكّر دائماً القول المعروف: (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك!)، فغداً نحن مُسنّون.

العدد 933 - 28/10/2020