التقشف لم يبخل على أرواحنا أيضاً

وعد حسون نصر:

التّقشّف بالمفهوم العام هو التقنين بالمادة من طعام وشراب بغية التوفير، بسبب ظروف اقتصادية أو شح بالمادة وعدم توفّرها، إلاّ أن التّقشّف طال أرواحنا جميعاً وبتنا نبخل حتى بمشاعرنا، بضحكاتنا، بدموعنا، وبالكلمات اللطيفة، بالنقد البناء، ومن الطبيعي أن يحصل هذا الشيء بسبب كثرة الهموم وتدهور الحالة المادية للجميع، وما فرض على بلادنا من حصار اقتصادي جائر، إذ بات المواطن السوري مُضطّراً للتقنين بالطعام والماء بالوقود، وفرضت عليه مؤسسات الدولة تقنين بالكهرباء، كذلك المواد الغذائية وخاصة الأساسية مثل السكر والرز والزيت والخبز والدقيق وغيرها، وارتفعت الأسعار بشكل باهظ ما جعل المواطن يستغني عن كثير من السلع واعتبرها كمالية رغم أساسيتها، مثل البيض والحليب واللحوم بكل أنواعها، حتى الملابس باتت كمالية للمواطن. جميعنا نعلم أننا خرجنا من حرب دمّرت نفوسنا وقنّنت الحب علينا قبل الماء والطعام، وما إن تمكنّا من النهوض من تحت ركام الحرب حتى دخلنا في صراع مع وباء وجائحة طحنت ما تبقى من عظمنا وجمّدت أيدينا عن المصافحة، وحتى القبلة على الجبين باتت تنقل الموت وبتنا نخبئها خشية أن نخسر أحبابنا. وهنا لابدّ من فرض طوق جديد من التقنين والتقييد علينا نحن المواطنين، كي تتمكّن الدولة من بقائها وثباتها ووقوفها على قدميها، وهنا زاد الخناق على أعناقنا، ارتفع سعر قوتنا أكثر فأكثر، وزادت ساعات التعتيم علينا أكثر فأكثر، وحتى الماء باتت صنابيره تعطي فقط بضع نقاط في أفواهنا، رغيف الخبز الإضافي غادر الربطة وفرض علينا اختصار عدد اللقمات، والطوابير ملأت الشوارع من أجل التوفير وكثيرون ينامون أمام المؤسسات انتظاراً للدور.

كثير من الأهل اختصر التعليم لأبنائه إلى مرحلة التعليم الأساسي، بذريعة أنه في المرحلة الثانوية يمكن للابن العمل وتغطية نفقات دراسته، ويمكنه أن يقدم امتحان الثانوية بالدراسة الحرة. بتنا باللا شعور نعتمد سياسة التّقشّف على أنفسنا، بلا شعور نُقنّن الوقت ونقسمه بين العمل والغسيل والكتابة والدراسة، الطعام وحتى المشاعر. السؤال هنا: هل هذا التّقشّف والتقنين مفروض فقط على المواطن؟ ألم يطُل المسؤولين؟ ألم يشعر به رجالات الدولة وأصحاب القرار؟ هل من المعقول أن أحدهم لم يمرَّ بسيارته من شارع اكتظَّ بالمواطنين الواقفين صفوفاً أمام المؤسسات ساعات وساعات من أجل عبوة زيت وكيلو سكر؟ هل يا ترى النور المستمر في بيوتهم أخفى ظلام الأحياء الكاملة عن عيون مسؤولينا؟ هل وجود الغاز والتدفئة الدائمة في منازلهم منع عنهم الشعور بالبرد القارس الناخر في عظامنا وعظام أبنائنا؟ هل من المعقول هذا الارتفاع الباهظ بالسلع لم تصل شعلة من ناره لأجساد مسؤولينا؟ لماذا لم يطُل التقنين أحداً من المسؤولين مع العلم أن الحصار الاقتصادي مفروض علينا جميعاً!؟

 هذا الحصار لم يطُل إلاّ الفقير وراح يشدَّ الخناق عليه أكثر فأكثر، ويدفنه بالهموم وهو على قيد الحياة، الجوع انتشر بين الجميع مثل الوباء ولم يعد في بلدي الحبيب تعدد لطبقات المجتمع فقد بات اليوم يحوي طبقتين فقط، واحدة تقبع تحت خطِّ الفقر حتى إنها لم تلامسه، وأخرى اجتازت كل الخطوط ولامست السماء بيدها، وأقدامها داست علينا لتزيد الخناق ضيقاً، حتى الهواء بات معدوداً بالشهيق والزفير.

لذلك، يجب إعادة النظر من قبل القائمين على الأعمال وصنّاع القرار، فليس من المعقول أنّنا في القرن الحادي والعشرين وما زلنا نعيش كمواطنين تحت رحمة مؤسسة الكهرباء، ومؤسسة المياه، وتحت رحمة التجار وجشعهم، بات الفقر يسكن كل البلاد ولكنه لا يجرؤ على الاقتراب من بيوت المسؤولين، الظلمة عشّشت في نفوسنا قبل بيوتنا ولا تجرؤ أن تدقّ باب أحد رجالات الأعمال لبضع ثوانٍ، وزِّعوا العدل بيننا بالتساوي، وزِّعوا الخبز علينا بالتساوي، أما الذلّ فأبعِدوه عنا وعنكم، فنحن وأنتم يجمعنا وطن سماؤه تمطر علينا جميعاً بالتساوي، وأرضه تسعنا جميعاً لكن خيراته اتجهت أو وجِّهت إليكم ولم ننَل منها إلاّ ما يسقط من بين أصابعكم وهذا أيضاً لم ننله بالتساوي.

وحتى ينهض هذا الوطن يجب أن نعيش التّقشّف جميعاً تحت سقفه، ونوزع ظلمه بالتساوي مواطنين ومسؤولين معاً، نحن أبناء وطن واحد ومصابنا واحد، لكن للأسف، يبدو أن علينا دائماً نحن المواطنين أن نقوم بواجبنا فقط!!

وزِّعوا الظلم بالتساوي، لم نعد نريد العدل!  

العدد 932 - 21/10/2020