المواطن بين التقشف والكرامة

ريم داوود:

عشر سنوات ونيّف ونحن نصارع الموت، فتارة يقترب منّا وتارة يبتعد.

نعيش وكأنّنا في حلبة صراع، البقاء فيها للأقوى، أو كأن قوانين المجتمعات كلها غابت عن وطني ويحكمه قانون الغاب.

سنوات وسنوات من الدم، والقتل، والخوف الذي ملأ ساحاتنا، أيام من الظلام عصفت بنا، لكننا ما أمسينا يوماً عاجزين، خائفين، تائهين كما اليوم.. نعم، كيف لا ونحن نحارَب بكل ما لدينا بوقودنا، بخبزنا، بقمحنا، بغاباتنا وحتى بكرامتنا.

بينما كنت جالسة برفقة زملائي، دار حديث بيننا تناولنا فيه أمور الحياة الاقتصادية (من غلاء معيشة، ارتفاع أسعار هستيري للسلع، وانقطاع بعضها، وما آلت إليه ظروفنا في ظلّ سياسة التقشّف المفروضة علينا)، وتوصلنا إلى أن العديد من الدول العربية والغربية كانت قد اتّبعت سياسة التّقشّف نتيجة لأزمات اقتصادية مرّت بها كإسبانيا وبريطانيا واليونان وغيرها. فالتقشّف برنامج حكومي ذو طابع اقتصادي يستهدف الحدّ من الإسراف في الإنفاق، وتشجيع الادخار كعلاج لأزمة اقتصادية تمرُّ بها البلاد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل التقشّف مفروض على المواطنين فقط؟ أم أنه واجب حكومي أيضاً يفرض على الحكومات اتباع تلك السياسة ضمن مؤسساتها والقائمين على تلك المؤسسات؟ أليس من المفروض أن تتبع تلك المؤسسات سياسة الادخار في الطاقة الكهربائية والوقود والمصاريف الشهرية؟

لقد فرضت الحرب علينا تفاصيل حياة جديدة لم نعتدها سابقاً، وخاصة مع تفاقم العجز الاقتصادي الذي نمرُّ به، والأمثلة على ذلك كثيرة منها أزمة الوقود والخبز والقمح والكهرباء حتى بتنا اليوم في حالٍ يُرثى لها، نقيس الطريق بطول طابوره، فلا شيء يعلو فوق أصوات أولئك المواطنين البائسين المُتربصين لساعات في طابور البنزين، ينتظرون خطو عجلات السيارة بضعة أمتار. وإذا ما غضضنا الطرف عن طوابير البنزين وانقطاع المازوت وتقنين الكهرباء في ظلّ ارتفاع مشهود لدرجات الحرارة، فلا يُمكننا البتّة أن نتجاهل أزمة الخبز. إننا كمواطنين نعلم أن هناك ظروفاً اقتصادية تمرُّ بها البلاد نتيجة الحصار الذي يُمارَس عليها، كما نعلم أن هذه الأزمة عاجلاً أم آجلاً ستنتهي.. لكن أليس من واجب الجميع أن يتحمّل هذه الأزمة ويشارك في إمكانية الحيلولة دونها؟ أم أن أعباءها تُلقى فقط على فئة دون أخرى؟

بينما كنت أنتظر دوري في طابور الخبز الذي وصل إلى عدّة أمتار من نافذة الفرن، وهذا لم يُشكّل لي مشكلة لأنني استمتعت في الحديث مع السيدات الواقفات في الطابور نتبادل الأفكار والأوجاع والضحكات، على الرغم من أننا قضينا ما يقارب الثلاث ساعات ننتظر وصول دورنا!! نعم، ثلاث ساعات وربما أكثر، لكن لم تكن تلك هي المشكلة إنما تجلّت في الممارسات التي كانت تحدث أمامي، إذ يحضر (س) من الناس بعد أن تجاوزتُ الساعتين أنتظر دوري، يدخل من الباب الجانبي للفرن متجاوزاً كل الطوابير، ويخرج بعد قليل من الوقت حاملاً ما يقارب سبع ربطات من الخبز، فكيف ذلك؟ أليست المُخصّصات تقتصر على أربع ربطات؟ أم أن التقنين لا يطول البعض؟ وإذا افترضنا أنه يحمل بطاقتين، فلماذا لا يجوز هذا لكل المواطنين؟ قضيت من الوقت ثلاث ساعات أنظر إلى حالنا وحال هؤلاء الذين يظنّون أن وقتهم أثمن من الوقوف في الطابور غير مكترثين للعرقلة والتأخير الذي يتسبّبون به، هزّني في تلك اللحظات مشهد طفلة غفت على ذراع والدتها بعد أن غزا النعاس جفونها وأضنى التعب قدميها الصغيرتين وهي تنتظر منذ ساعات الصباح الأولى، فلا حول ولا قوة لنا سوى الانتظار!!

إننا اليوم نواجه مشكلة أعظم من تطبيق قانون التقشف الاقتصادي، فنحن أمام مفارقة تطرح العديد من التساؤلات: هل ما نمرُّ به سببه الحصار المُمارَس علينا فقط، أم أن سببه قلّة الوعي والمسؤولية وعدم التنظيم والانضباط؟ إننا للأسف كشعوب نامية لا نستفيد من تجارب الآخرين ولا نستقي منها إلاّ ما يحلو لنا، فلو نظرنا إلى اليابان والكارثة التي ضربتهم عام ٢٠١١ (تسونامي فوكوشيما) وكيف أن الشعب تكاتف وتآزر في سبيل النهوض من محنته متعاوناً متعاضداً بعضه مع بعض، بغضّ النظر عن المراتب والبطاقات والفروق بين مواطن وآخر، فالكل سواسية والجميع عليه أن يقدم واجبه للنهوض من الأزمة.

والسؤال هنا: أين نحن من هذا؟ وهل سياسة التّقشّف تلك تُطبّق على الجميع؟ هل من واجب البعض فقط أن يتحمّل أعباء هذا العناء بينما يتنعّم البعض الآخر بكل ما يريد؟ أليس الوطن للجميع ومن واجب الجميع أن يتكاتفوا للنهوض؟ أقول قولي هذا وليس بحوزتي سوى القلم خير وسيلة ليُعبّر عمّا يدور في خلجاتي.

العدد 931 - 14/10/2020