في عيدهم العالمي شباب السويداء يقدمون أنموذجاً يُلخّص إمكانيات شباب سورية

أنس أبو فخر:

في الثاني عشر من شهر آب عام 1999، أعلنت منظمة الأمم المتّحدة من العاصمة لشبونة هذا اليوم عيداً عالميّاً للشّباب، ويُتيحُ لهم هذا اليوم فرصةً ذهبيةً حول العالم للاحتفال بالشباب وإسماع أصواتهم وأعمالهم ومبادراتهم ومشاركاتهم الهادفة وتعميمها جميعاً. ومع أنّها خطوةٌ كبيرة ومناسبة رائعة، ولكن يبقى الشباب السّوري في الداخل وخاصّةً في ظلّ الحرب بعيدين عنها، وذلك ليسَ لافتقارهم الأفكار الشّبابية، إنّما للظروف الصعبة وانعدام المساحة التي يُضيء الإعلام عليهم فيها.

فَـرغم هذه الحرب الطويلة التي أنهكت جميع السوريين، وقد حظيت فئة الشباب بحصة الأسد من آثارها السلبيّة وعواقبها، كان ومازال الشّباب السوريّ العنصر الأساسيّ في عملية البناء والإصلاح والمؤازرة لباقي شرائح المجتمع في مختلف الأزمات، رغم الهموم والمصاعب التي ترتّبت على عاتقهم في تأمين أدنى درجات الكرامة المعيشيّة، وسراب الأحلام والطموحات في صحراء الواقع الملتهب ورمال المستقبل المتحركة التي تبتلع الكثير منها، وشحّ فرص العمل وبوابة الهجرة والسفر التي تجذب الكثيرين إليها هرباً من ظروف الحياة الصعبة.

على الرغم من كل ما سبق فإننا لا نزال نلتمس الأمل المنعكس من مواقف الشباب الجريء ومبادراته الكبيرة، ولا أدلّ على ذلك من حملاتهم التطوعيّة وأفكارهم البنّاءة في مواجهة ظروف الحياة المختلفة، سواء على الصعيد الاقتصاديّ أو المعيشيّ والخدميّ.

التصدي لوباء كورونا، السويداء تقدم نموذجاً شبابيّاً في أزمة عالمية

عند الحديث عن محافظة سوريّة فكأننا نتكلم عن سورية بأكملها دون أدنى شك، ولكن ما قدّمه شباب السويداء من أعمال تطوعيّة هادفة لابدّ من الإشارة إليه والثناء عليه، وخاصّة في مناسبة كمناسبة يوم الشّباب العالميّ وصعوبة وصول أفكار الشباب السوري إلى منبر الأمم المتّحدة، ففي الآونة الأخيرة ومع انتشار وباء كورونا(Covid-19)  وتسجيل الإصابات في السويداء بوتيرة سريعة بعض الشيء، وتحت وضع اقتصاديّ بائس كحال باقي المحافظات، سرعان ما شرع شباب السويداء بحملة تطوعية لم يكترثوا لخطورتها عليهم بقدر ما اكترثوا لخطورة تفاقم الوباء وانتشاره بين المجتمع المحلي، فريق تطوعيّ أطلقوا عليه (فريق السويداء التطوعي المعني بالتصدّي لفيروس Covid-19)، الحملة التي بدأت بفكرة الشاب (وائل حمشو) سرعان ما أخذ صداها يتّسع لتضُمّ عدداً من الشباب والشابات من أبناء المحافظة مشكّلين جسماً واحداً، هدفهم توعية المجتمع ومساندته في التصدّي للوباء عبر المساهمة في تكريس مفهوم التباعد الاجتماعي وتوزيع التجهيزات الوقائية مجاناً عن طريق جمع التبرعات. وتحدّث حيان عاصم سليم (أحد أعضاء الحملة)، عن تمكّن الفريق من توزيع الكمامات الطبيّة في كلية التربية الثانية في السويداء وفي وسائل النقل، إضافة إلى وجودهم في صالة السوريّة للتجارة التي تشهد ازدحاماً كبيراً في كلّ المحافظات، وقدّم الفريق عدداً من الكمامات للمواطنين وساهم في التباعد الاجتماعي والتوعية داخل الصالة، وأشار حيان سليم إلى استمرار التبرعات لهم وقد استطاعوا من خلالها تأمين 5 علب كمامات وجهازي قياس أكسجة، مشيراً إلى تعاون الأهالي وقبولهم لهذه الحملة وتشجيعهم المعنوي والمادي المستمر.

حبّة القمح تنبت مجدداً بأيادي شيبٍ وشبّان، بين حجارة مدينة فيليب العربي

بعد الحرائق التي طالت المحاصيل الزراعية وأهمّها مادة القمح التي تشكّل أحد ركائز الزراعة في السويداء، وتدني الوضع المعاشي إلى مرحلة بات المواطن فيها يضع هويّته رهناً عند باعة الأفران لعدم امتلاك البعض لثمن ربطة الخبز، كان شباب مدينة شهبا العريقة بتاريخها على موعدٍ ضربوا به مثالاً في التكاتف والتضامن الاجتماعي عند هذه الأزمات، من خلال إطلاقهم حملة (مدّ قمح) فقد قام مغتربو المدينة بالتبرّع لذويهم وأهلهم في الداخل لشراء مادة القمح، وتوزيعها مجاناً على الأسر ذات الوضع الاقتصادي الصعب جداً، وأسر ذوي الشهداء وكبار السن، إضافة إلى توزيع المادة للكنائس والمساجد ودور العبادة في المدينة وهي توزعها على المحتاجين لتأمين لقمتهم، وكذلك على الفلاحين المتضررين من فاجعة الحرائق التي أحرقت آمالهم ومصدر قوتهم.

نصري الطويل (أحد شباب هذه الحملة) والذي تبرع أيضاً بمنزله ليكون مكان تجميع القمح الذي يصل من المتبرعين، تحدث عن بداية هذه الحملة قائلاً: لقد انطلقت هذه الحملة من شباب مدينة شهبا في المغترب، فزعة ومساندة لأهلنا وذوينا في الداخل بسبب التدهور الاقتصادي والقلق من شحّ مادة القمح في المحافظة خاصة بعد حرائق المحاصيل الزراعية، وقد بدأت التبرعات من شباب المدينة إلّا أننا استطعنا تعميمها على مغتربي السويداء بشكل عام، مضيفاً أن مكان تجميع القمح في منزلنا وبمساعدة والدي، وهناك مشرفون على التوزيع ونقوم بأخذ قوائم الأسماء من دور العبادة وكذلك من الأهالي الذين يعلمون بحال الأسر المحتاجة، كما أكدّ سير الحملة واستمراريتها وقد تمّ توزيع ما يزيد عن 9 أطنان من مادة القمح بأيادي شابات وشبان شهبا، حيث لم تقتصر المشاركة على أحد والجميع يساهم غيرة وحبّاً للمدينة، وإن هذه الحملة في طريقها لتُعمّم على المحافظة بصورة عامة.

الشباب السوري ليس أقلّ شأناً، دورهم البارز يُنقذ المجتمع دائماً من الغرق

هذا الكلام ليس مبالغة مني على الإطلاق، ربما لو بحثنا لوقت قصير لوجدنا العديد من الإنجازات في سورية تُدوّن بها براءات اختراع، ولكن من ثمارهم تعرفونهم، فإذا كان حال الشباب السوري بشكل عام ذو أفكارٍ خلّاقة وحلول ذكية وعزةُ نفسٍ كبيرة فما بالك بأفراده؟

فإذا ما عدنا بالزمن للوراء قليلاً سنجد الكثير من الأفكار التي يضعها شباب سورية كمفتاحٍ لقيود الواقع، ففي فترة الامتحانات الجامعية الجارية، قام العديد من الشباب الجامعي بوضع مقرراتهم وكتبهم الجامعية التي انتهوا منها بين أيادي زملائهم مجاناً على شكل استعارة مؤقتة، ليتمكّنوا من تشجيع بعضهم في ظلّ الغلاء الفاحش التي شهدته المكتبات الجامعية وتدهور الأوضاع الاقتصادية أكثر وأكثر، كما وفي العودة للخلف أكثر لا تزال حملة (أعرني دفاك) مستمرة على نهج ثابت ولو اختلفت الطرق والأسماء، والتي كست العديد من الأطفال في فصول الشتاء الباردة المترافق معها انخفاض مادة المازوت وانقطاعها عن بعض المناطق، كذلك الحال بالنسبة للكهرباء، وحملة التعاون الكبيرة التي شهدناها في قطاع الصحة بعد انقطاع عدد من أنواع الدواء بسبب الحصار الاقتصادي، هذه الحملات والأفكار والعزيمة في الإصلاح والمساعدة قد لا تجد صوتاً لها في المنظمات العالمية، لكنها داخل منظومة الشباب السوري هي بوصلة تحدّد اتجاه الشباب الفكريّ وترسم نسيجاً اجتماعياً في زمن الاقتتال الأهليّ.

حملات مستمرّة، وحال محافظة السويداء كحال باقي المحافظات، فهذه الحملات فكرة والفكرة لا يمكن أن تموت يوماً، ولو كانت هذه الحملات في دول العالم الثاني أو الأول لكنّا وجدناها حديث الإعلام لأيامٍ وأيام، لكنّها وللأسف في بلدٍ يتيم وجريح، شبابه ورغم ندب الحرب على أجسادهم، لكنهم يأبون الركوع متمرّدين دائماً على واقعهم الصعب بفكرهم وتضامنهم وإنسانيتهم، فكلّ عامٍ وشباب سورية بألف خير.

العدد 937 - 25/11/2020