حديث مكرّر والأسى يزداد مرّه

غزل حسين المصطفى:

التاسعة إلّا ربعاً صباحاً_ المدرّج الثامن _ كلية الآداب والعلوم الانسانية _جامعة دمشق.
وبينما أنا في لحظاتٍ هي الأصعب على كلّ متقدمٍ للامتحان أيّاً يكن اختباره، جاء الصوت في رأسي يحدّثني مُعقّباً على المشهد أمام ناظري فيقول: كلٌ في فلكه يسبح، وكلٌّ في همه يغرق، عاركَ كلُّ فردٍ من هؤلاء بطريقته الخاصة حتّى استطاع الحضور إلى القاعة الامتحانية.
كان المدرج (وهو الأكبر والأقدم في الكلية) مكتظاً بالطلاب، ولم نشهد أيّ تطبيق لإجراءات السلامة والتباعد المكاني، الكلّ يرتدي الكمامة، فمن غيرها نُحرم من تقديم الامتحان، ولكن الطامة الكبرى كانت في بعض الأفراد الذين يتصرفون بلا مُبالاة واستهتار، إذا تنتقل الكمامة ما بين الذقن والوجه، تُخلع عند الحديث وعند الحرّ وما إلى هنالك من مشاهد بتنا نعرفها كلّنا في ظلّ أزمتنا مع كورونا.
ما بين الصوت الهامس في جمجمتي وتفاصيل الوجوه الّتي كانت تحدثني بالكثير، والمشهد العام، قاطعتني زميلتي قائلةً: (معك قلم زايد… انشغلت بابني وما انتبهت للقلم!).
ناولتها القلم وقلت: لأنك أم وطالبة، فجهادك عظيم، لك الأقلام كلها ( تكرم عيونك الحلوين… رغم كل التعب الواضح).
ودون مناسبة أو سابق إنذار وبلهجة مصبوغة بالمرارة والتعب والأسى قالت: ( خلّيكي ببيت أهلك، الرجل همّه حاله وبس، ما تصدقي ذكر بيآمن بأنثى وبيدعمها إلاّ الأب).
كانت الغصة واضحة في صوتها، كسرتُ السوداوية في الحديث وقلت: (أصلاً معك أغلى شهادة، بيكفي أنك أم ورح تعرفي تربي وتعلمي… شو بدّك بفلان وعلان؟ أنتِ عم تصنعي مجد… القصص بدا صبر).
لم أكن بحاجة إلى هذا الحديث ولا إلى أيّ قصة وأسىً إضافي يفتح مدارك عقلي وعواطفي على المرِّ الذي نحن فيه، انطلاقاً من زميل قد كتب منذ مدة ليست ببعيدة على مجموعة خاصة بالقسم (أنا قد درست وتعبت وجاهدت لأكون طالباً جامعياً، لكن جهادي في هذا البلد كان جنوناً وضرباً من غباء، لا أملك اليوم ثمن محاضرات ولا القدرة على دفع أجرة الطريق للحضور اليومي… لا أدري ما إن كنت سأتقدم للامتحان أم لا..).
وآخرٌ قد كتب قبل أيام: (شكراً للفاقد التعليمي، التزام تام لشهور طويلة في المنزل، وثمن كمّامات ومعقمات قد ضاع بعد التقدم للمادة الأولى، فأنا اليوم أصبحت مصاباً بفيروس كورونا وغير قادرٍ على متابعة الفصل الدراسي، لا مشكلة عندي بذلك، مشكلتي بوالدي وقلبه الضعيف، كيف لا أحمل وزر إصابته!؟ من المسؤول؟ من الجاني؟ كفى!).
تكثر الهموم والمشاكل (والقلب ما عاد قادر يتحمل أسى).
لن أكمل في عرض أحاديث ومشاكل عهدناها مؤخراً، فالكل أصبح مُلمّاً بصورة الوضع، ولكن نحن في خضم كلّ شيء لا يمكننا إلاّ أن نقول نحن جيل الشباب قد أصبحنا عالة على أنفسنا، شرعنا بالحداد على ذواتنا، لم يكن ينقصنا أيّ مُصاب ليرتفع سقف المستحيل في حياتنا.
حقوقنا رفاهية، والحلم مجرّد جرح أو عزيز قد رحل ننوح عليه ونأسف لرحيله، والمستقبل حدث ولا حرج.
كلامي ليس من باب التشاؤم والسوداوية، إنما هو الواقع المرّ.
في كلّ يوم تزداد الأمور تعقيداً وصعوبة، ويشقُّ علينا الطريق في هذا البلد.
أيّ لعنة قد حلّت بنا!؟
أكُتِبَ علينا أن نهرم ونشيب في المهد!؟
أكُتِبَ علينا أن نعيش بلا حب، بلا قلب، بلا أحلام وردية!؟
أم كُتِبَ علينا الشقاء فقط؟!
في لحظة يأس من كلّ شيء يُحدثني عقلي ويسأل عن جيل الحرب في بلدي، جيل الكوارث، الأزمات، قذائف الهاون الماطرة، التفجيرات الكبرى، النزوح، التهجير، القصف، الجوع، المجازر، كورونا، جيل يُعايش الكوارث الطبيعيّة والإنسانيّة والأخلاقيّة، من أين يبدأ نضاله؟
جيل باتت الدراسة الجامعية لديه رفاهية والتخرّج حلماً بعيد المنال.
أسنَجِدُ متّسعاً غداً لأن نفكّر خارج حدود لقمة العيش فقط؟
ما أتحدث عنه ليس بجديد على أحد، ولكن الجرح في كل يوم يزداد نزيفاً، وبعض التصريحات تُفجّر الموقف وكأنهم يتحدثون عن كوكب آخر لا عن سورية.
اليأس مُدمّر، كيف لا ونحن نرى أننا وحدنا من نغرق ونحاول النجاة والحفاظ على السفينة، وأولئك أرباب القرار والمسؤولون في أبراجهم يراقبون الوضع ويستمطروننا بأكاذيبهم.
وبعد كل هذه السوداوية التي صُبِغَ بها حديثي، سأعترف أن هناك شعاع أمل يُدغدغ جفوني في الصباح ويشدّ على مبسمي لتكون الابتسامة مرسومة برضاً لاستقبال كل شيء، أستيقظ فأُصبّح على صبّارتي الصغيرة، أخبرها أن السيدة فيروز لا تكذب فهي تقول: ( في أمل.. إيه في أمل… أوقات بيطلع من ملل…) وأبدأ معركتي في رحاب أزقّة العاصمة دمشق! في أمل إيه في أمل… أوقات بيطلع من ملل… وأوقات بيرجع من شي حنين.

العدد 938 - 02/12/2020