مرة أخرى حول التراث

يونس صالح:

في حديثنا عن التراث، نسأل أنفسنا: هل نحن نتحدث عن شيء واحد مفهوم، أم نحن نتحدث عن عدة مفاهيم متغيرة قد لا تتكامل بل قد تتناقض أحياناً كثيرة.

فالكلمة تناولتها أقلام كثرة ومفاهيم متعددة حتى غدا تحديد وجود متكامل لها شيئاً مثيراً بالفعل.

ذهب كثيرون إلى أن التراث هو ما تركه السلف الصالح من عطاءات متراكمة، بمعنى الأحكام والقياسات والاجتهادات الإسلامية القديمة حتى عصور النهضة الفكرية، أي حتى القرن الرابع، حيث انتهى التراث إلى اجتهادات واضحة صريحة لا لبس فيها، وإلى هنا ينتهي التراث ولا شيء بعده ولا شيء يليه إلا التفسيرات والشروح والحواشي، وكل ما وراءه مدسوس مرفوض من حيث المبدأ، ومن حيث الوجود نفسه، هذه النظرة إلى التراث حصرت حصيلتنا السلفية للدين، وهي نظرة محدودة تعرف ما تريد وتفهم ما تجد ولا تتورع عن رفض كل ما ترى فيه ما لا تريد أو ما لا تفهم من تراث.

ولسنا نريد أن ندخل مع هذا الاتجاه في جدل، فهو صحيح وسليم في حدود رؤيته ومنهجه ورسالته، لكنه شيء من أشياء. لكن الإشكال الأكبر أن كلمة التراث لا علاقة لها بالدين، ولا الإنساني الرحب الذي لا يرتبط إلا بمعنى الإنسان وفكره وتراثه الوجداني وعطائه العقلي في كل زمان ومكان.

وقد برع الإنسان منذ اخترع الكتابة في تدوين حصيلته من المعرفة، ومن الفن، على السواء، لينقلها من جيل إلى جيل ومن مكان إلى مكان، ولعله كان بهذا يتحدى الفناء والمحدودية الإنسانية. فعن طريق هذه المعرفة المتوارثة لا يكون الإنسان نفسه، وإنما يبدأ من حيث انتهى كل من سبقوه، ليتحقق بهذا المعنى استمرار الحضارة ومعنى تطورها إلى الأحسن بصورة مستمرة، وبهذا فإن مفهوم التراث عند حدود العطاءات والاجتهادات الدينية الموروثة مفهوم خاطئ أو هو على أقل تقدير مفهوم قاصر.

فكل الترجمات الني نقلناها في عصور النهضة العلمية عدّت جزءاً من تراثنا نحن، وكل الاجتهادات في كل مناحي العلم والفن هي بالقطع جزء من تراثنا نحن بصرف النظر عن رضا البعض عن مضمونه أو عدم رضاهم. وقد كان أبناء هذه المنطقة حريصين كل الحرص على هذه المدونات المتوارثة، فدونوها وظهرت مخطوطاتها في المكتبات العامة وغدت مهنة الوراقة من أهم المهن في حياة أبناء المنطقة، وغدا الزهو بحجم المكتبة التي يقتنيها كل ثري مجالاً للتنافس والمغامرة.

وحين دخل المستعمرون بلادنا كان همهم الأول هو نهب هذه المخطوطات وغيرها من معالم الآثار إلى بلادهم، وتجريد هذه المنطقة من موروثها المدون، لقد كانت هذه المخطوطات طريقهم إلى التعرف على فكر الإنسانية كله.

غزتنا أوربا بأساطيلها ومدافعها، وهزمتنا وفرضت الشروط علينا، واستدار التاريخ ليشهد دمارنا في عام 1967 ونكسنا الرؤوس خجلاً من مواجهة الحقيقة.

أما ما حدث لتراثنا فشيء آخر.. القوة الغاشمة تفعل فعلها لحظات في عمق التاريخ ثم تنحسر، لكن التآمر على عقل شعب ووجدان شعب شيء آخر تماماً.

جريمة ارتكبها الغزاة في وضح النهار وأمام كل شهود التاريخ، وخرجوا منها بنقل عقل أمة إلى أمة أخرى، وبنقل وجود أمة إلى أمم أخرى، وصمت التاريخ وشوّهت الحقائق ولم يتحدث أحد.

لا يستطيع دارس منا أن يدرس حضارتنا كلها، وأدبنا كله، إلا إذا رجع إلى المخطوطات في دور الآثار والكتب والجامعات الأوربية.

لقد سكت الغرب عما أخذ، وأسند الكثيرون من أبنائه لأنفسهم الفضل في كل ما ترجموه ونسبوه إلى أنفسهم من علم اجتماع إلى علوم البحار إلى علوم الطب والكيمياء، ثم ساروا في رحلة التطور الطبيعية التي يفرضها التقدم الإنساني.

وكما خانت أوربا الذاكرة خان العرب ذاكرتهم أيضاً، فنسوا أنهم اشتغلوا بكل العلوم قبل الكثير من غيرهم، ونسوا أنهم أنشؤوا المعامل والمستشفيات والمراصد قبل غيرهم بكثير، وساعدهم على النسيان شيئان رئيسيان:

الأول أن العثمانيين الذين سيطروا على المنطقة اكتفوا بشعار الخلافة الإسلامية، لما كان يضفيه على سيطرتهم على مقدرات المنطقة كلها من شرعية، ونقلوا كل معالم المعرفة وكل رجالها إلى الأناضول، لتبدأ من هناك رحلة حضارية جديدة، بينما تُركت المنطقة لتخلفها التدريجي المتعمد، والتدين المتخلف المستند إلى الأساطير وممارسات الجهالة والجاهلين.

والثانية أن أهل الغرب أدركوا منذ الحروب الإسلامية الأولى أن تماسك هذه المنطقة تحت أي شعار هو تهديد حقيقي ومباشر لاستمرار تدفق الثروات من آسيا وإفريقيا، وتهديد أيضاً لاستمرار سيطرتهم على البحار الدافئة في الجنوب، وعلى الأرض البكر فيها وفي عمق إفريقيا والهند.

ولقد سار الاستعمار في تحقيق ذلك على عدة محاور لم تختلف على مر الزمن وإن تطورت أشكالها وممارساتها، ومن هذه المحاور الاستقطاب الثقافي، وانغلاق الإنسان في المنطقة على الانتماءات الضيقة المحدودة، وتمزيق الصفوف من أجل إضعاف مواجهة الأعداء المشتركين، واستخدام شعوب المنطقة في مواجهة بعضهم البعض تحت مختلف الحجج والشعارات.

ولكن أخطر هذه المحاور وأكثرها فعالية كان وما يزال فصل الشعوب العربية عن موروثها الحضاري، إلا ما يتعلق بالدين، واللغة، بعيداً كل البعد عن كل معنى حضاري وفلسفي وثقافي فيهما، وأنه مدين للغرب بكل معطيات العلم والحضارة، وأنه تابع لا أصل له في الوجود الإنساني كله.

لقد آن لنا أن ندرك أن المقولات التي تسود بيننا حول التراث مقولات زرعها الاستعمار الذي سلبنا بلادنا كما سلبنا عقولنا، ويريد أن يسلبنا حاضرنا ومستقبلنا معاً، كما أن لنا أن ندرك أن الفعل الثقافي هو الفعل الحقيقي، فمنه تنبع قوة الإنسان ومنه تنبع قوة الجيوش، وقوة العقل، إن أردنا معنى القوة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا فهمنا أن جيوشهم حين غزت أرضنا لم تكن تستهدف الأرض والثروة وحسب، وإنما كانت تستهدف الثقافة والعلم والمعرفة والفكر لأننا حين سُرقنا توقفنا، وأن لصوص التراث هؤلاء ساروا بما سرقوا خطوات خطيرة في تاريخ الحضارة الإنسانية.

فلو قفزنا على مرحلة التجهيل والتعصب والأنانية وتضخيم الذات، فربما وجدنا الإجابة وعرفنا الطريق.

العدد 922 - 12/08/2020