الغريق لا يخشى البلل

عيسى وليم وطفة:

(إذا أردنا ان نعرف ماذا في إيطاليا، يجب أن نعرف ماذا في البرازيل).

كلماتٌ ردّدها الفنان الرّاحل نهاد قلعي في المسلسل الفكاهي (صح النوم) قبل أكثر من خمسين عاماً، وكان الناس يضحكون دون إدراك أن هذه حقيقة، وأن هناك من يعمل على فرض واقعٍ كهذا حول العالم ويزرعه في لاوعي البشر. هؤلاء كانوا يقومون بإجراء البحوث الأنثربولوجية والسيكولوجية على الأفراد والمجتمعات، ليتمكّنوا من إحكام قبضتهم والتحكم في مصائر البشر.

راودتني هذه القصّة حين أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اللاعظمى، الأسبوع الماضي، عن بدء تطبيق قانون قيصر، لمعاقبة الشعب السوري العظيم.

في حسابات سياسة الولايات المتحدة الأمريكية فإن قانون قيصر ليس جديداً، بل هو امتدادٌ لتاريخٍ طويلٍ من العقوبات على سورية تحت مسميات عديدة منذ عام ١٩٧٩. وجرت المداولات في الكونغرس الأمريكي حول إضافة عقوبات جديدة منذ عام ٢٠١٣ حين عُرضت ملفات تتعلق بالتعذيب في المعتقلات السورية، واستمرت ست سنوات على شكل دراما هوليودية، إلى أن وقّع الرئيس الأمريكي ترامب على القانون في شهر كانون الأول ٢٠١٩ على أن يبدأ تنفيذه في منتصف حزيران عام ٢٠٢٠ وينص فيما ينص على ما يلي:

١ – إمكانية تعديل تاريخ نفاذ القانون، أي بما يسمح بتوظيف هذا القانون لصالح حملته الانتخابية.

٢- التجارب علمتنا أن العقوبات الأمريكية لم تحقق هدفها بإخضاع الشعوب، بل غالباً ما كانت سبباً لالتفاف الشعوب حول حكوماتها من أجل التصدي للأمريكي. وهناك أمثلة كثيرة كإيران التي استطاعت الالتفاف على العقوبات الأمريكية، بل وطوّرت برنامجها النووي خلال فترة العقوبات، وأيضاً كوريا الشمالية وكوبا وفنزويلا.

٣- قانون قيصر ينصُّ صراحةً على فرض عقوبات على الجهات التي تُقدم على إجراء أي عمل تجاري أو خدمي أو مالي (ذي أهمية) للدولة السورية! والسؤال هنا هو: من يقرّر أن هذا العمل (ذو أهمية) أم لا؟ الجواب الطبيعي أن صاحب القرار هو من صاغَ قانون قيصر والمشرف على تنفيذه. وعليه نفهم أن القانون يستهدف كل الشركات غير الأمريكية التي تحاول الدخول إلى السوق السورية للعمل والاستثمار أو لمساعدة الدولة السورية. وهذا يعني أن واضع القانون يحتكر لنفسه حلحلة الوضع الاقتصادي والسياسي في سورية، في الوقت الذي يريده وبما يتناسب مع مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية. وبذلك فإن قانون قيصر هو لافتة عريضة تم نشرها على كل الطرق المؤدية إلى سورية مكتوب عليها (ممنوع الاقتراب والتصوير).

قانون قيصر في الحسابات الأوربية:

١- أوربا تتفرج وتذعن للضغوط الأمريكية وتنتظر انهيار الدولة السورية وكلها أمل أن يمنّ عليها الأمريكان ببعض فتات من الكعكة السورية. وللأسف فإن الزعماء الجدد في أوربا لم يتعلموا من تجاربهم مع الأمريكي ولم يفهموا أنه أينما حلّ الأمريكي أزاح النفوذ الأوربي اقتصادياً وسياسياً.

٢- وبكل وقاحةٍ تدعو أوربا لإغلاق المعابر بين سورية ولبنان، وبين سورية والعراق، وبين العراق وإيران، مما يؤدي إلى عزلة بين شعوب المنطقة وخنقها، وهذه دعوات خبيثة تستخدم مصطلح (حقّ السيادة) تلك السيادة التي انتهكتها الدول الأوربية حين تدخلت بالشؤون الداخلية وزرعت الفوضى في كل دول منطقة الشرق الأوسط. أوربا العجوز الحائرة في مجال الجاذبية الإمبريالية الأمريكية عاجزةٌ اليوم عن اتخاذ موقف مستقل ومختلف عن الأمريكي، فنراها تسير بانقياد أعمى متجاهلةً مصالحها ومنسحبةً بخزيٍ واضح أمام الأمريكي من مناطق نفوذها الاستعماري القبيح.

سيؤثر قيصر بشكل مباشر على الدول المحيطة بسورية، وعلى مبدأ (إذا كان جارك بخير فأنت أكيد بخير)، وتاريخياً كان لبنان بمثابة الرئة لسورية، وكذلك كانت سورية رئة لبنان خلال حرب تموز ٢٠٠٦، أيام الاحتلال الأمريكي للعراق كانت سورية ملاذ الشعب العراقي الهارب من جحيم الحرب، والعراق اليوم منفذ حيوي لمساعدة السوريين في المناطق العربية والكردية. أيضاً كان الأردن خلال احتلال العراق وخلال الحرب في سورية مكاناً آمناً في محيط يحترق وملاذ المشرّدين بسبب الحروب. أما اليوم فقد أصبحت جميع دول المنطقة في عمق أزمة إنسانية، اجتماعية، اقتصادية وسياسية واحدة خانقة، بسبب هذا القانون الجائر الذي يهدد مستقبل شعوب المنطقة، ونحن اليوم_ حكوماتٍ وشعوباً_ تحت خط الفقر الدولي، إنها (وحدة المصير).

قانون قيصر بالعقل السوري وعلى مبدأ (ربط السبب بالنتيجة) فإن سياسة العقوبات وتشديد هذه العقوبات أحياناً، والتراخي في تطبيقها أحياناً أخرى لم يكن يوماً يؤدي إلى ضرر مهمّ وعميق بأصحاب السيادة في الحكومات المعاقبة وإنما كان يستنفد كل إمكانات المواطن السوري ويدمّر ما بناه خلال حياته، بل ويدمر طموحات هذا المواطن للعيش الكريم. إن قانون قيصر أدّى هدفه النفسي السلبي بشكلٍ مباشر على حياة المواطن السوري قبل بدء سريان القانون، فانهارت الليرة إلى أدنى مستوياتها وارتفعت أسعار المواد الغذائية والضرورية بشكل جنوني، وعادت لتظهر أشكال جديدة من العصيان والتمرد ضد الحكومة. والسؤال هنا هو: ماذا فعلت الحكومة السورية صاحبة مشروع الصمود والتصدي والممانعة خلال هذه التسعة أشهر الماضية في محيطها الحيوي؟ ماذا قدمت الحكومة للمواطن الصامد لكي يواجه قانون قيصر؟ حتى إعلامياً هناك مواطنون سوريون لا يعرفون شيئاً عن هذا القانون ولا من هو قيصر!؟

الجواب: لا شيء!

في هذه الفوضى غير الخلاّقة وغير الإنسانية وفوق هذا الدمار الشامل، لا بدّ من ابتكار حلول خلّاقة تحفظ للبشر كرامتهم، حلول تشاركية بين حكومات لم نفقد الأمل منها بعد وشعوب تبحث عن حياةٍ تليق بتضحياتها بين ركام الاحتراب والقطيعة، أرى بعضاً منها:

١- تعزيز ودفع جهود المصالحات الوطنية وإعادة لم الشمل السوري ورفع مستوى الخطاب والتوقف عن تبادل الاتهامات بين أطراف الصراع السوري، لأن قانون قيصر  بآثاره  التدميرية على لقمة عيش المواطن السوري وحياته لا يميّز بين الموالي والمعارض.

٢- التوجه شرقاً وهو امتداد طبيعي للجغرافيا السورية. إن مصالح الشعوب الممتدة من أفغانستان إلى إيران فالعراق وصولاً إلى سورية ولبنان التي تعاني من الحصار والتجويع تقتضي إلغاء الحدود السياسية وفتح المعابر الحدودية وتحرير التجارة بين دول المنطقة وإنشاء آلية دفع وتداول بعيداً عن الدولار واليورو أو أي عملة أجنبية أخرى. وهناك مقولة لا شكّ في صحتها: (إن الشعوب المتشاركة بالجغرافيا هي من تصنع تاريخ المنطقة). ومن تجاربنا السابقة، فإن الاحتراب لم يجلب سوى الدمار، أما التعاون ومدّ جسور التآخي فلا بد أن تجلب الخير والمنفعة لكل شعوب المنطقة (وأعتقد أن الولايات المتحدة لا تمانع في إجراء كهذا، لأن المهم لدى الأمريكي اليوم إبعاد النفوذ الأوربي والصيني المباشر عن المنطقة). إن إيران التي كسرت الحصار المفروض على فنزويلا مروراً بالبحار السبعة قادرةٌ اليوم على كسر الحصار عن امتدادها الجغرافي مع العراق وسورية ولبنان، إذا كانت لدى حكومات هذه الدول النّية الصادقة والعمل الجاد لتجنيب شعوبها مآسي الحصار. واليوم هناك فرصة مواتيه لحلحلة هذا الحصار من خلال المفاوضات التي تُجريها الولايات المتحدة مع إيران لأسباب أمريكية داخلية انتخابية.

٢- ضرب جميع المتاجرين بلقمة عيش الشعب وإيقافهم، وملاحقة مهربي الذهب والعملة من سورية. وتشجيع الإنتاج الزراعي والعودة إلى البساتين وتقديم الدعم للمزارعين. العودة إلى دعم الإنتاج الصناعي المحلي حتى لو كانت وسائل الإنتاج قديمة. تسهيل طرق التجارة وعبور الأفراد والبضائع بين دول المنطقة. الابتعاد عن ترف الاستهلاك، دعونا نحلّ أولاً مشكلة الجوع وبعد ذلك نلتفت إلى المشاكل الأخرى، فالتجربة علمتنا أن الأغنياء ينتجون المواد الكمالية الاستهلاكية لتزيد ثراءهم ونحن نستهلك منتجاتهم الكمالية فنزيد فقرنا. إن الشعب السوري الغارق في العقوبات الأمريكية منذ خمسين عاماً لا يخشى اليوم البلل بسبب قانون قيصر. إن الإنسان السوري مُحبٌّ للحياة، خلّاق ومبدع، قادر على التكيف مع الحصار الجائر مهما تعقّدت ظروفه ولا يُساوم على ثوابته الوطنية ورسالته الإنسانية.

٣- مسؤولية الحكومة محاربة الفساد. شعارٌ قديمٌ جديدٌ وأسطوانةٌ صارت مشروخة. لقد قال أفلاطون أبو الفلاسفة قبل ثلاثة آلاف عام: (العدل أساس الملك)، وهذا الشعار معلقٌ فوق جميع المحاكم المدنية والعسكرية والاقتصادية. وأفلاطون شرحه كالتالي: لا مُلك إلا بالجُند، ولا جُند إلا بالمال، ولا مال إلا بالرعايا، ولا رعايا إلا بالعدل. 

فيا حكوماتنا العتيدة، انظروا إلى رعاياكم ومصالح رعاياكم! إن محاربة الفساد لا تبدأ من القاعدة إلى الرأس، بل هي كتنظيف درج العمارة تبدأ من الأعلى إلى أسفل.

الخلاصة: إذا أردنا ان نعرف ماذا في أمريكا علينا ان نعرف ماذا في كل جهات الأرض. غول المال الرأسمالي لا يشبع، وغول السياسة الأمريكية المتوحش لا يكترث لآلام البشر، وإذا كان قَدَرُنا أن نُولد ونعيش في أرضٍ لم يبق َ غازٍ إلا ودنّس ترابها. فإن الرهان اليوم على وعي المواطن السوري مستذكرين الشعار الذي أطلقه الحزب الشيوعي السوري قبل أربعين عاماً: (سورية لن تركع).

١٣ حزيران ٢٠٢٠

العدد 917 - 1/07/2020