المثقف .. الحضور الخجول

عباس حيروقة:

مما لا شك فيه أن ثمة مشاهد، خلال الفترة القليلة السابقة، مثلت أمامنا وإلى العيان ككل توضح صورة ما نحن عليه على صعد عدة، هذه المشاهد تأتّت على شكل أسئلة هامة وخطيرة، أسئلة تشي بالصورة الحقيقية التي شِيء لها أن تكون للمثقف وللثقافة ككل ونظرة السياسي إلى الثقافي، والآلية المتبعة في التعامل معه كحالة ثانوية أو هامشية غير فعالة أو غير ذات شأن يليق بالمكانة التي يجب أن تكون عليه الثقافة والمثقف.

 وهذه الأسئلة وسواها اختزلها سؤال طرحه العامة قبل الخاصة من مثقفين أو عاملين بالحقل الثقافي وهو: كيف للفريق الحكومي المعني بالتصدي لوباء كورونا أن يوافق ومنذ أسابيع على إعادة فتح الجوامع أمام المصلين، ويرجئ لا فتح المراكز الثقافية بل يرجئ حتى مناقشة فتحها أمام روادها إلى ما بعد العيد؟؟!!علماً أن أصغر جامع في قرية نائية يؤمّه أكثر مما قد يحضر في أكثر مراكزنا الثقافية حيوية وفعالية حتى ولو كانت في العاصمة دمشق.

وفي كل الأسواق التجارية والصناعية (الحميدية) وحتى الأسواق الشعبية (سوق الخضرة)، رأينا العشرات بل المئات في حالة طبيعية دون أي إجراءات وقائية صحية احترازية.

أليس من الواجب والضرورة والحاجة الموافقة ومن حينها على فتح المراكز الثقافية وأيضاً فروع اتحاد الكتاب العرب أمام الرواد، إن لم نقل أمام الفعاليات الثقافية، لا الانتظار إلى هذا اليوم مثلاً؟!

وأيضاً مما يمكن طرحه في هذا الشأن، وباعتبار أن المثقفين هم الأكثر التصاقاً بالقاع الجماهيري وشعوراً بحرارة نبضه، أننا لم نرَ ترجمة هذه المقولة المتجذرة في ثقافتنا، بل على العكس رأينا الغياب الكامل لدور المؤسسات الثقافية في التصدي لموجات سياسة الغلاء والفساد ولو ببيان شجب أو إدانة.

انتظر الشارع المغلوب على أمره والذي رأى وما زال كيف رغيف خبزه ولقمة عيشه تسحب بل تسرق من أمام أطفاله الجياع، من قِبل حيتان المال والجاه، وعلى مرأى من عيون جهات من المفروض أنها تعمل على المحافظة عليه عزيزاً كريماً.

الشارع الذي انتظر من المثقف أن يقوم بدوره التاريخي حيال حقول قمحه وسواقي قراه وبساتينه وعرق جبينه ودماء أبنائه التي انتظر أن تنبت سلاماً وسلامة وخيراً وفيراً مديداً،

الشارع الذي انتظر من المثقف أن يدعو– وهذا أضعف الإيمان_ أصحاب القرار لتوخي الحذر من أفواه جائعة مقهورة ومكلومة، والعمل ما بوسعها للانتصار للمواطن الذي صمد وضحى وقدم أغلى ما يملك والانتصار لأبناء الرغيف والقمح والشمس.

رأينا أن المثقف لم يمنح أي دور كان كذاك الذي مُنح لغير جهات فنية واقتصادية ورياضية ودينية. رأينا، في مرحلة الحجر والحظر، أن رموز الفن والرياضة والسياسة والدين شغلوا الفضائيات مطولاً وهم يدعون المواطن إلى ضرورة الالتزام بقوانين الحجر والإجراءات و… الخ.

لم نرَ أيّ رمز من رموز فكر وشعر وفلسفة وثقافة؟؟!!

نعم، هذا ما معناه أن هذه الجهات وتلك تعكس حضوراً مجتمعياً وإعلامياً أكبر وأهم من حضور المثقف النقدي الحقيقي.

هل هذا سبب أم نتيجة؟!

إلى أي درجة ساهم غياب المثقف أو تغييبه وتنحيته، على حساب تقدم التجاري والصناعي والسياسي والفني والديني، أو تقديم، في تردي حال المجتمع!؟

ومما لا شك فيه أن الدور الهام والكبير في سنوات الحرب كان للمثقف وللثقافة، إذ أدركنا جميعا ومنذ البداية أن الحرب على سوريتنا هي حرب ثقافة، ثقافة غريبة عن السوري، عن مفردات السوري، ثقافة الموت والطائفية والحقد والكراهية والتكفير والقبح في مواجهة ثقافة الحياة والمحبة والسلام والجمال والانتماء للإنسانية.

متى تقوم الثقافة والمثقف بانتزاع حقوقهما واستعادة دورهما التاريخي!؟

ما هي المشاريع التي اشتغل عليها ولها المثقف لتحسين صورته المجتمعية!؟

ماذا قدم المثقف أو الثقافة لتحصين المجتمع من زلازل قادمة أخرى أو على الأقل هزات ارتدادية قد يتصدع مجتمعنا إن لم نقل قد ينهار بسببها؟؟

هل الصورة التي هو عليها اليوم هو من رسمها أو ساهم في رسمها أم تم مصادرته وتنحيته وتغييبه؟!

ألا يعتبر قبوله بكل هذا وذاك من تشوه ألحق به هو بحد ذاته خيانة لذاته ولثقافته التاريخية؟!!

نعم، ثمة غياب وتغييب للثقافة وللمثقف ساهم في رسم صورة غير حسنة للمثقف في نظر المجتمع، بل صورة (كاريكاتورية).

العدد 917 - 1/07/2020