لست وحدك… احذر من لقاء نظيرك!

د. أحمد ديركي:

قد تصف الأمر بالجنون، أو الكاتب بالمعتوه، أو ضرب من ضروب الجنون، أو الشعوذة، أو… بأي نوع من أنواع اللاعقلانية.

لكن، قبل أن تستهلّ القراءة، حاول أن تجيب عن سؤال: ما هي العقلانية؟ هل تعني استخدام العقل؟ إن كانت إجابتك بـ(نعم)، حينئذٍ يمكن طرح السؤال التالي: للمجنون عقل يستخدمه بطريقته، فلِمَ تُطلق عليه صفة الجنون؟ هل لأنه يستخدم عقله بطريقة لا تتلاءم مع طريقتك في استخدام عقلك؟ فأنت، بفعلتك هذه، تحتكر (العقلانية) وتحرمها على كل مستخدم لعقله بطريقة مغايرة عن طريقتك! ومن أنت لتحتكر (العقلانية)؟ وإن كانت إجابتك بـ(لا)، إذاً ما هي (العقلانية)؟

السؤال المطروح الآن: من يقرأ المقال الذي تقرؤه؟ أنت، أم نظيرك في كونٍ موازٍ؟ أم أنتما معاً في الوقت نفسه؟

نعم، هناك على كوكب مواز ما في هذه المجرات اللامعدودة من يكتب ما أكتب، وهناك في هذه اللحظة أيضاً من يقرأ ما تقرأ. ليس في الأمر مصادفة أن هناك من يكتب ما أكتب أو يقرأ ما تقرأ، بل هو نقيضي ونقيضك ولا يمكن أن نلتقي، وإن التقينا نتصادم ويلغي كل منا الآخر متحولين إلى طاقة مجردة.

ليس هذا بتوهم أو تخيّل أو جنون أو لا واقع لا عقلانية، ولا هو بواقع أو تعقل أو عقلانية. هنا المعركة: ما هو؟

في عالم ما دون الذرة الواقع مسألة إشكالية، ولن أغوص في مدى عمق هذه الإشكالية وانعكاساتها على الفكر في الواقع المعيش.

لقد أُثبت أن الكون يتمدّد، وبالتعبير العلمي (يتضخم)، وما الأرض سوى حبة رمل، أو أصغر، في هذا الكون المتضخم الذي انبثق عن انفجار جسم ضيل جداً منذ 13.5 مليار سنة، وما جنسنا البشري، نسمّي أنفسنا: (الجنس العاقل_ Homo sapiens)، إلا جنس حديث العهد في الوجود، فعمره لا يتجاوز 3.5 ملايين سنة، ومعارفنا لا يزيد عمرها عن 10000 سنة. أي أن الإنسان الراهن، الجنس العاقل، المنبهر بما توصل إليه من معارف وعلوم، ما زال كالطفل الرضيع المذهول بمحيطه.

قد يكون ما حدث منذ عام 1900 حتى تاريخه مجرد خطوة إضافية في رحلة الألف الميل، للوصول إلى المعرفة. يمكن القول إن الخطوة الأولى، في وجه من وجوهها، بدأت مع التفكر بالكون ومحاولة تفكيك ألغازه علمياً، وأتى نموذج كوبرنيكوس وما أكده إسحاق نيوتن، واضعاً معظم القوانين التي نطبقها على المقياس الكبير، في هذا المجال. والثانية بدأت، في وجه من وجوهها أيضاً، عام 1900 مع مجموعة من علماء الفيزياء، من امثال ماكسويل وأينشتاين وبور وشرودينغر وغيرهم…، فأخذوا البشرية إلى محطتهم الجديدة.

خطوة قلبت معايير وثوابت فكرية عديدة، كما فعلت الخطوة الأولى، ليس على مستوى فهم الكون فقط، بل على مستوى الفكر البشري برمته، وإن كان هناك بعض المجتمعات ما زالت بعيدة بما يقرب مئة سنة ضوئية عن هذا الفكر وما زالت تشكك بكروية الأرض، وهبوط الإنسان على القمر، والعمل على الهبوط على المريخ، رغم استخدام هذه المجتمعات معظم التقنيات الحديثة مثل الكومبيوتر والهواتف الذكية ومشاهدة الفضائيات.

قد يكون أول من تحطم، وما زال يتحطم، في الخطوة الثانية، هو فكرة (أزلية) الكون وثباته، إضافة إلى فكرة أن الزمن شيء مجرد لا علاقة له بالمكان، وصولاً إلى فكرة الواقع برمته.

من ضمن ما تتضمنه الخطوة الثانية في رحلة الألف ميل مسألة فيزياء الكوانتم، وما تسببه من إشكاليات لم تُحلّ حتى تاريخه. فرع من الفيزياء يثير إشكاليات حول موروثات اجتماعية متجذرة، ويدخل في صراع مصيري معها، معركة يوجد فيها إما منتصر وإما منهزم، لا حالة هرة شرودينغر.

لن نذهب إلى عالم ما دون الذرة في فيزياء الكوانتم والصراع فيه على مفهوم الواقع. بل سوف نذهب إلى جزء بسيط من عالم الكون في هذه النظرية.

وفقاً لبعض الآراء العلمية المعتمدة على الخطوة الثانية من رحلة الألف ميل وجود ما يعرف بـ (أكوان متعددة) (multi-universe)، أو نموذج عدة عوالم (Many World’s Model) – يفترض وجود عوالم متعددة بواقعيات موازية لا معدودة. بعبارة أخرى نظرية تعني أنه في هذه اللحظة هناك عدد لا محدود منك في أكوان موازية لا معدودة يقرؤون ما تقرأ، وربما يفكرون بما تفكر فيه الآن ويحكّون رؤوسهم.

إن أثبتت هذه النظرية توقعاتها فكن جاهزاً للتخلي عن كل موروثك الاجتماعي، ومستعداً لفكرة عدم تفردك بالوجود في هذا الكون الفسيح. وكن مستعداً لعدم لقاء نظرائك في الأكوان الموازية، وإلا تحولتم جميعاً إلى طاقة عند لحظة اللقاء.

لا تستعجل القراءة، كي لا تُغضب نظراءك في الأكوان الموازية!!   

العدد 904 - 25/3/2020