تيَّاران… ولعبة الأقوى؟

إيناس ونوس:

يعتبر الفن إحدى أهم آليات الإنسان للتعبير عن مكنوناته الدِّاخلية، وإيصال وجهة نظره وأفكاره إلى الآخرين، مستخدماً هذه الطَّريقة منذ عصور غابرة إلى يومنا هذا، مطوِّراً إياها مع تطوُّر الوعي والتِّقنيات والتُّكنولوجيا.

والفن بحدِّ ذاته متنوِّع الأطياف، مسرح، موسيقا، رقص تعبيري، شعر، روايات، أفلام.. إلخ، يتَّخذ كلُّ فنَّانٍ ما يتوافق مع شخصيته ورؤاه وطموحاته، وما يمكنه أن يصل إلى المجتمع، معبِّراً من خلاله عن آرائه السِّياسية، الاقتصادية، العلمية، الثَّقافية، وعن كثير من القضايا التي تهمُّ المجتمع وتعمل على رفع مستوى الوعي والإدراك لديه، ما يساهم في خلق بنية معرفية ومنظومة فكرية أكثر تطوُّراً، ويعمل على نبذ العادات التي تعمل على تراجع المجتمع وتخلُّفه، وانطلاقاَ من هذا نجد الفنانين ينقسمون قسمين: مجموعةً متماهيةً مع السُّلطة الحاكمة سياسية كانت أم دينية أم خاضعة للأعراف المجتمعية السَّائدة، وأخرى تسير عكسها تماماً، تحاول تسليط الضَّوء على السَّلبيات والعمل على تغيير كامل في الرُّؤى الفكرية والسِّياسية والمجتمعية.

ولا يخلو مجتمعٌ من هاتين الفئتين، فكلتاهما تعبِّران وبشكلٍ واضح عنه، ووجودهما بحدّ ذاته ضرورةٌ ملحَّةٌ لتطوير أدوات الفنَّان والفن وتحديثها عموماً، ولتوضيح السَّلبي والإيجابي في الحياة، ما ينعكس حكماً على المجتمع برمته، فكم من مسرحياتٍ أو رواياتٍ أو أشعارٍ خلَّدها التَّاريخ بعد أن كان لها أثر أساسي وكبير في التَّغيير، وعلى العكس، كم ساهمت أشكال الفنون في تدهور البنية المعرفية للنَّاس وانحدارهم أخلاقياً وثقافياً ومعرفياً، وهو ما يحدث دوماً في عصورٍ مختلفة، ومجتمعاتٍ شتَّى.

غير أن الفن الرَّاقي لا يُخفي ذاته مهما بلغ نشاط الفن المناقض ومهما بلغ الدَّعم المقدَّم له والجهود المبذولة عمداً للعمل على تفشِّيه، بغية إفشال المجتمع وتقهقره، وخير مثال نجده في الأغاني والموسيقا التي نتلقاها اليوم على مسمعٍ من الجميع، فالأغنيات الهابطة فكرياً تنتشر انتشار النَّار في الهشيم معتمدةً على موسيقا راقصة أكثر سهولةً في الوصول إلى جيل الشَّباب المنكسر على مختلف الصُّعد، فتعمل على زيادة انكساره، وإشغاله عن القضايا الحسَّاسة والمهمة في تغيير نمطية معيشته وحياته، وتساهم في نشر سلوكاتٍ مرفوضةٍ ومستهجنة، إلاّ أنَّه وعلى الضِّفَّة المقابلة ما يواجهها ويقف لها سدَّاً قوياً متماسكاً معتمداً على مبادئ أساسية ثابتة وأفكار متجذِّرة تحاول العمل على النُّهوض بالمتلقي ورفع سويّته الفكرية.

وما حدث في نقابة الفنَّانين السُّوريين في الفترة الأخيرة يؤكِّد هذا الأمر، حين انتفض الفنانون رافعين الصَّوت رافضين قيادتهم السَّابقة القائمة على المحسوبيات والعلاقات الخاصة، بعد أن حاولوا مراراً العمل معها على تجاوز العديد من المشاكل، بينما كانت تُقصي من تريد وتقرِّب من تشاء، وها هي ذي النَّتائج توضَّحت وتبلورت في الانتخابات الأخيرة، ووصل الفنانون الجادون والملتزمون بالقضايا المجتمعية الكبرى إلى تغيير هذه القيادة، أملاً منهم في النُّهوض بالفن السُّوري مجدَّداً من القاع الذي وصل إليه.

لا يخلو داخل كلٍّ منّا من فنان صغير، ولا يمكن لأيٍّ منّا العيش بعيداً عن الفن، انطلاقاً من أبسط الأمور الحياتية وصولاً إلى أعقدها، غير أن البعض يمتهنه ويجعله منبره الأساس، والبعض الآخر يتعامل معه كمتلقٍّ فقط، وهذا وضعٌ طبيعي لأيّ مجتمع. ما يهمُّ في الأمر هو النَّتائج، وما يعود بالنَّفع العام على الجميع، ويساهم في تنمية الرُّؤى والبنية الفكرية والمعرفية التي ستنعكس على الجميع دون استثناء، ويرتقي بنا وبأجيالنا الشَّابة القادمة، لتقدِّم أفضل ما لديها لصالحنا جميعاً.

العدد 906 - 08/4/2020