مسؤوليات جمّة تقعُ على عاتقنا

عباس حيروقة:

إن ما يعانيه المشهد الثقافي السوري حقيقة أُسِّس له منذ عقود، وما هذه الأمواج من النصوص الآسنة إلا نتيجة حتمية لمقدمات خاطئة.

وقد يكون التعميم تعتيماً لا شكّ، وأنا هنا لا أعمم بل على العكس أقول إن هناك الكثير من أصحاب المواهب والتجارب الإبداعية الباذخة تُمتعنا هنا وهناك وبين الفينة والفينة بجودها الباذخ، وهي من تدلل بألقها الساطع على هشاشة وهزال تلك الكائنات الهلامية.

حديثنا هذا قد يكون فيه شيء من القسوة، ولكن حرصنا ومحبتنا واعتزازنا بمؤسساتنا ودورها الواجب اتباعه والقيام به من باب الوفاء والانتماء للخير.. للحب.. للجمال هو ما دفعنا للحديث بلهجة قد تكون غير محببة. ولكن ما يشفع لنا هو الحرص على سلامة مشهد ثقافي أو السعي للوصول إلى مشهد معافى، فنشير إلى الخلل من باب المحبة والانتماء لوطن يطفح بالقداسة وبالجمال.

قليلاً قليلاً من الاحترام للعقل وللفكر وللثقافة.. ولا يتحقق هذا إلا من خلال احترام المثقف الحقيقي النقدي والعمل على تحصينه ورفع مكانته، لأنه في النهاية هو من يعوّل عليه في حماية ما تبقّى لنا من وطن.

فالثقافة هي الخندق الأخير الذي يبقى يدافع عن الوطن، ويمكن أن نجزم ونقول وبالفم الملآن إن الرصاصة قد تقتل إرهابياً ولكن الكلمة تقتل الفكر الإرهابي الذي أنتج وفرّخ من عاثوا فساداً بسوريتنا الشمس، والأحداث الأليمة التي هزّت مجتمعنا السوري من أهم أسبابها ومسبباتها ثقافية، لأنه لو تم تحصين المواطن السوري ثقافياً بالشكل المأمول لما انهار في كثير من المدن والبلدات أمام أول صرخة قبح وفدت إلينا من خارج تاريخنا وجغرافيتنا.

ومن جهة أخرى ندرك أن من دافع وحمى وضحى في سبيل نصرة سوريتنا النور.. نصرة الخير والحب والجمال، هو السوري حامل جينات الثقافة السورية الحقيقية الأهم، والعقل السوري الأول مخترع أول مدونة موسيقية، وأول مازج للألوان، وأول أبجدية، وأول معصرة زيتون، وأول سفينة اخترقت عباب البحر حاملة للعالم كل العالم الخير والسلام بأبهى مفردات الحب والجمال، نعم، هم السوريون الأوائل بحق.

إنها الحرب التي عرّت كل شيء، وأسقطت مفاهيم ومصطلحات كنّا نزعم أننا من خلالها سنمضي في ركب حضارة ورخاء ما، ولكن للأسف ما كنا نعوّل عليه من ثقافة ما، إن لم نقل سقطت فإنها ترنحت ألماً وأغمي عليها كما قلنا أمام أول صرخة قادمة من خارج حدود تاريخ السوري الحقيقي وجغرافيته.

ثمة مسؤوليات جمّة تقع على عاتقنا جميعاً للنهوض معاً من جديد، من أهمها تعزيز ثقافة الانتماء لسورية بكل مكوناتها.

تعزيز ثقافة المواطنة لأننا من خلالها سندرك مالنا وما علينا كأفراد ومؤسسات.

تعزيز ثقافة القانون الذي به ومن خلاله نصون حقوقنا.

تعزيز ثقافة الحرية والتشاركية والنقد، ومحاربة سياسات ساقت لنا كل هذا البلاء، أهمها سياسة اللعب على وتر الطائفية والعشائرية، وأيضاً سياسة الفساد والإفساد.

 وكم علينا الابتعاد عن التعصب والعصبية لكل الأشياء التي تفرقنا كسوريين، والاعتصام بكل ما يوحدنا ويجمعنا، فلسنا بقادرين على أن نخسر مرة أخرى.

الشعوب تستفيد من تجارب بعضها، فكيف لنا نحن كسوريين ألا نستفيد من تجربتنا تلك الطافحة بالتوابيت وبالنعوش وبالعويل؟!

على حكوماتنا أن تعمل بشكل يليق بصرخة تلك الأم السورية التي استقبلت مزغردة جثمان ابنها الرابع الملفع بعلم البلاد وهي تقول: بقي لدي الولد الخامس هو فداء لسورية!

على الحكومات القادمة أن تضع صرخة تلك الأم بوصلة وأجندة عمل لها، حينئذٍ سنكون أكثر قدرة على الوقوف من جديد.

العدد 938 - 02/12/2020