القرن الـ21: البترول والسياسة

يونس صالح:

طوال نصف قرن على وجه التقريب لم يختف البترول العربي من عالم السياسة، فزيادة الاهتمام بالخليج والعراق وليبيا كان وراء ظهور البترول، وعندما اشتعل الصراع بين تيار القومية العربية والغرب في الخمسينيات والستينيات كان محور الصراع بدرجة أكبر الجزيرة العربية بما تضمنه من منابع بترول وغاز متعددة. وحين احتدم التنافس الدولي، واشتد أوار الحرب الباردة بين الغرب الاستعماري والمعسكر الاشتراكي، وكان للشرق الأوسط مكانه الخاص في الصراع، وكان البترول والغاز هو المحرك، وهو ما انتقل في إحدى مراحله إلى إنشاء قوات انتشار سريع، تحمي الخليج من أخطار، رأت الولايات المتحدة الأمريكية أنها أخطار سوفييتية، وفي جانب منها أخطار محلية أبرزتها حرب أكتوبر ،1973 وفي ذلك الوقت كان الاتحاد السوفييتي من أكبر منتجي البترول في العالم، بما جعله في موقف من يصدر وليس من يستورد، أي أنه لم يكن بحاجة لبترول الشرق الأوسط.. ومع ذلك لم تستبعد واشنطن وجود خطر سوفييتي.

كان الغربيون يجيبون على السؤال الموجه لهم، بأن الاتحاد السوفييتي ليس بحاجة إلى بترول الشرق الأوسط، قائلين (إن الخليج هو الفناء الخلفي للاتحاد السوفييتي.. أميال قليلة تفصل الحدود عن الحدود، ولو أن صراعاً عسكرياً نشب بين الشرق والغرب، فإن مدافع وصواريخ وطائرات السوفييت قادرة على احتلال منابع النفط، أو تعطيلها على الأقل.. أي أنها قادرة على شل حركة الغرب). بعدها وكما نذكر جاءت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، وهددت الحرب منابع البترول في أحيان كثيرة، لكن الخطر ظل محصوراً في دائرة البلدين المتحاربين بينما يتدفق البترول من بقية آبار المنطقة، فلما امتد الخطر للملاحة وطال ذلك صادرات الكويت وناقلاتها، وافقت دول مجلس الأمن على رفع أعلامها على الناقلات حماية لها، وإبعاداً لصادرات البترول عن دائرة الحرب.. وهو ما لم يمكن تكراره في حرب الخليج الثاني، حيث تعطلت الصادرات واشتعلت الآبار واتسعت دائرة الخطر، وجرى استدعاء نحو 30 دولة ونصف مليون جندي، لإعادة الأمور إلى نصابها، ثم إعادة ترتيب الأوراق الأمنية والسياسية في  المنطقة بعد ذلك على ضوء وجود أخطار محلية.

في السياسة إذن، ولفترة طويلة ظل عنصر النفط الشرق أوسطي أولاً ثم الغاز ثانياً، عاملاً رئيسياً وراء الأحداث.. والسؤال: ماذا عن المستقبل القريب والمتوسط؟ ماذا عن قرننا، القرن ال21؟ الأكيد أن السياسة لن تنفصل عن البترول والغاز، وتحكم البترول والغاز أرقام مثل الاحتياطي والطلب المتزايد أو المتناقص والأهمية النسبية لكل منطقة.

في تقرير للأوبك في أوائل القرن العشرين، يقول بأن العمر المتوقع لبترول الدول المتقدمة لن يتجاوز في المتوسط20 سنة بصورة عامة، أي أن كبار المستهلكين سيخرجون من دائرة الإنتاج خلال فترة ليست بالبعيدة، وفي الوقت نفسه فإن العمر المتوقع لبترول الإمارات يصل إلى 115 سنة، والسعودية 85 سنة، وإيران إلى 75 سنة، هذا دون أن نتطرق إلى نفط العراق والاحتياطات المتوافرة في سورية والسواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

إن الميزان إذن ومع مرور الوقت، يميل لصالح دول الشرق الأوسط، التي تمتلك احتياطات هائلة من النفط والغاز تستند عليهما الطاقة العالمية، عماد الصناعة والتطور الصناعي في العالم.

بطبيعة الحال إذن فإن ما يحدد الانعكاسات السياسية للوضع البترولي والغازي هو الأهمية التي يحتلاها في مجموعة الطاقة اللازمة لتسيير العالم، رغم أن التوقعات تشير إلى أن نصيب البترول سينخفض من جملة موارد الطاقة من 39% إلى 37% عام ،1920 وفي الوقت نفس فإن الفحم سيحتل 29%، والغاز الطبيعي (وهو مرتبط بالبترول) سيمثل 24%، بينهما لا يتجاوز نصيب الطاقة النووية 6%، ونسبة أخرى محدودة الطاقة المتجددة من رياح أو طاقة شمسية.

وطبقاً للأرقام السابقة فإنه لن تحدث انقلابات واسعة في مجال الطاقة، وخاصة بالبترول والفحم، إنهما سيظلان متربعين على عرش الاستهلاك العالمي من الطاقة، ولكن في الوقت نفسه فإن الانقلاب المنتطر سوف يجري في نطاق (من ينتج ومن لا ينتج)، (من يملك ومن لا يملك)، وطبقاً لتقرير وكالة الطاقة الدولية، فإن الشرق الأوسط وفنزويلا سوف يقدمان نصف احتياجات العالم من البترول، والأهمية النسبية هنا ليست كل شيء، فالأهم هو تراجع مكانة الدول التي جمعت بين (منتج ومستهلك رئيسي)، والأهم أن البترول ومعه الغاز سيبقيان مادة الطاقة الأولى، وأن العالم (النامي) سيكون مصدرهما الأساسي، وفي المقدمة بلدان الشرق الأوسط، الدول العربية.

سيعكس ذلك نفسه على الأوضاع والعلاقات الدولية بين المنطقة والعالم الخارجي، وقد تفسر هذه التوقعات والأرقام ما نحن بصدده من محاولات لإعادة رسم خريطة المنقطة وهويتها وعلاقاتها.

الخريطة، نعرف ملامحها إذاً، إنها تهدف إلى منع قيام أي استراتيجية موحدة في المنطقة، أو إرادة واحدة.. أما العلاقات فهي تتحد الآن، أساسها الاقتصاد، وأداتها السياسة والعسكرية.

نحن إذن أمام قرن مختلفة بعالم مختلف، لكنه يحتفظ من القديم بهذه الحقيقة المهمة: البترول يصنع السياسة، وعوائد البترول تصنع السوق.. جاذب كل شيء، وكل سياسة، فالشرق الأوسط (البلدان العربية على وجه الخصوص) من وجهة نظر غربية بئر وسوق، لكن دول المنطقة قد تصنع صورة أخرى.. إذا أرادت.

 

العدد 921 - 29/07/2020