لماذا تقع في مصيدة إدمان الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك؟

الدكتورة: خزامه نبيل البعيني:

وُصِفَ هذا العصر بأنَّه ثورة التقانة وتكنولوجيا المعلومات التي جعلت من العالم قريةً صغيرةً يحكمها نمط تفاعلاتٍ مختلف، فأصبح الإنترنت ومنصّاته، وبضمنها منصّات التواصل الاجتماعي، جزءاً أساسياً من الحياة في جميعِ أرجاءِ المعمورةِ التي يحكمها قلقُ التنافسِ الاستهلاكي العالمي.

ولأن الإنسان يجذبه الجديد المختلف ويُحركه قلقٌ دائم، أغرته التجربة وزادت اهتمامه فأصبح أكثر تعلقاً، ما أوقعه في مشكلة كيفية استخدام الإنترنت، وهي متلازمة متعددة الأبعاد تتكون من جوانب إدراكية وعاطفية وسلوكية وقد تؤدي إلى صعوبات في نوعية الحياة وإدارتها وإلى مشكلات في الدراسة والعمل والحياة الاجتماعية والأسرية نتيجة الوقوع في مصيدة الإدمان.

ويعرّف إدمانُ الإنترنت بأنَّه: (عدمُ قُدرةِ الفرد على التحكمِ في استخدامه للإنترنت، قد يؤدي إلى عرقلةٍ خطيرةٍ في الأداء الحياتي، وفقدان التواصل مع البيئة الاجتماعية المحيطة مع زيادة في عدد الساعات). ويشكل عنصر التواصل المستمر مع الآخرين أحد الجوانب التي تدفع إلى جعل السلوك إدمانياً، ويعد الفيس بوك من أكثر المنصات الاجتماعية استخداماً في جميع أنحاء العالم، وهي بتزايد يومي.

فما الذي يدفع المرء إلى سلوك الإدمان؟

للإجابة عن هذا السؤال وبالتركيز على الجانب الإدراكي المعرفي، فلا بد من توضيح أن الأفراد يختلفون في نمط إدراكهم لكل ما يحيط بهم من أحداث وأشخاص وأشياء …إلخ، وتحكمهم في ذلك حدود زمانية واضحة وهي الماضي والحاضر والمستقبل، فهل يسهم إدراك الزمن أو ما يعرف بالتوجه الزماني في إدمان الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر وغيرها؟

وقد ضع زيمباردو وبويد (Zimbardo & Boyed, 1999) خمسة أبعاد زمانية يمكن أن تحدد نمط إدراك الفرد وسلوكه، وهذه الأبعاد هي:

الماضي السلبي: يتمثل في توجه انتباه الفرد نحو الخبرات السلبية التي حدثت في الماضي، إذ ما تزال لبعض الخبرات الماضية قوة كبيرة في إثارة إزعاج الأفراد وقلقهم، مما يؤدي إلى شعورهم بالمرارة والأسف.

الماضي الإيجابي: يتمثل في حنين الفرد إلى خبرات الماضي الطيبة، والبقاء متعلقاً بها بدرجة كبيرة، وغالباً ما تدور هذه الخبرات حول امتلاك الفرد للعلاقات السعيدة، لذا تشكل هذه الخبرات دعماً للفرد بدلاً من إعاقة حياته.

الحاضر الممتع: يتمثل بتوجه الفرد المندفع نحو الحصول على اللذة والخبرات الممتعة، ورفض تأجيل الأشياء التي تجلب له الشعور بالراحة إلى وقت آخر من أجل الحصول على مكاسب كبيرة، ورغم ذلك فإن هذا النمط محبوب من قبل الأفراد، ولكنه يتبع أسلوب حياة غير صحي ولا يكترث للمخاطر التي يمكن أن يقع بها.

الحاضر الحتمي: ويتمثل بشعور الفرد بأنه مقيد في الزمن الحاضر، وأن ليس لديه القدرة على التحكم والتأثير فيه، لذا يكون اتجاهه نحو المستقبل والحياة يائساً ومتشائماً، مما يؤدي إلى شعوره بالقلق والاكتئاب.

التركيز على المستقبل: يتسم الفرد هنا بالطموح والتوجه نحو تحقيق الأهداف ومقاومة المغريات في سبيل إنجاز الواجبات، وإن عرقلة الفرد أو تأخره عن تحقيق أهدافه ومشاريعه المستقبلية تجعله يشعر بالانزعاج وزيادة التحدي والإصرار، ورغم مميزات هذا البعد إلا أنها تأتي على حساب العلاقات الاجتماعية للفرد وشعوره بالراحة.

إن جميع الأبعاد الزمنية السابقة تركت أثاراً هامة في حياة الإنسان، إذ من المحتمل أن يكون هناك بعد زمني واحد أو أكثر يوجه انتباهه نحوه بدرجة كبيرة، ولكن تبقى عملية التحكم بهذه الأبعاد وتطويرها على نحو مرن أكثر أهمية من معرفتها فقط.

فما علاقة هذه الأبعاد بسلوك إدمان الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك مثلاً؟

أظهرت نتائج دراسة أجريت عام 2016 في بولندا على عينة من مستخدمي الإنترنت والفيس بوك بلغ عددها 756 من الشباب، وجود علاقة ذات دلالة إحصائية بين أنماط التوجه الزماني المتعلق بالماضي السلبي والحاضر الحتمي والمستقبل السلبي وسلوك إدمان الإنترنت والفيس بوك، وقد ارتبط هذا السلوك الإدماني بعدة خصائص فردية مثل انخفاض الاستقرار العاطفي، ونقص تقدير الذات، وعدم القدرة على الضبط الذاتي، والشعور بالقلق وبالوحدة الذي يزيد من رغبة الأفراد في التواصل نظراً لحاجتهم إلى الآخر الغائب في الواقع، ولاسيما في حالات مشكلات العلاقات الأسرية والعاطفية والوحدة الرومانسية. وهذا الإشباع الذي يحقق التواصل الافتراضي يعد حساساً وحرجاً لتشكيل سلوك إدماني على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يظهر من خلال تكرار التردد على المنصة وطول مدة الاستخدام. وهنا تصبح سلوكيات إدمان الإنترنت وسيلة لتعويض هذا الشعور بالوحدة.

كما أظهرت وجود علاقة دالة بين إدراك الحاضر الممتع مع سلوكيات إدمان كل من الإنترنت والفيس بوك، وذلك بهدف ملء وقت الفراغ وتجنب الملل. تختلف هذه النتيجة عن سلوكيات الإدمان الأخرى من مخدرات أو كحول!!

وقد يشكل الدافع وراء هذا الإشباع للحاضر الممتع ما يسمى بقلق المعرفة Information enxity الذي يدفع الفرد إلى التواصل المستمر بهدف مواكبة ما يحدث للحصول على مزيد من المعرفة، ولاسيما في منصات التعلم الذاتي والمجموعات العلمية والثقافية، إضافة إلى قلق الفيسبوك Facebook anxiety أو قلق عدم القدرة على التواصل وهو القلق المتعلق باستخدام التكنولوجيا الذي ينتج عن عدم القدرة على استخدام الشبكة وعدم الحصول على الخدمة في أي وقت عندما لا يكون هناك إنترنت، وقد يكون هناك وجه تشابه بين الخوف من الضياع وفقدان شيء أو شخص، وهو ما يتقاطع مع ما يحدث أثناء التواصل عبر الشبكة من مقاطعة المحادثات أو عدم تكاملها كما في حالة اللقاء المباشر، ما يولد لدى الفرد قلقاً ينعكس على حالته النفسية والمزاجية قد تصل إلى مستويات من الشدة تجعل منه نمطاً عُصابياً، ويعود ذلك  إلى أن التفاعلات التي يقوم عليها قانون العالم الافتراضي تختلف عن عالم الواقع وعقده الاجتماعي، وهي تؤسس لمرحلة جديدة تبدو ملامحها غير واضحة وتتطلب الاهتمام بالدراسة والبحث.

كما أكدت الدراسة وجود علاقة دالة بين التوجه الايجابي نحو الماضي وإدمان الفيس بوك، ذلك لأن الأفراد على استعداد للحفاظ على علاقاتهم الماضية وتطويرها من خلال التفاعل الاجتماعي. ومن خلال الملاحظة يظهر هذا النمط من التفاعل في مجتمعنا السوري بشكل واضح لدى فئة قليلة من الشباب ولدى المسنين عموماً على منصة الفيس بوك، التي يمكن أن تشبه (ساحة الضيعة)، فهم يعبّرون من خلالها عن تكامل مرحلتهم واستعراض إنجازاتهم الماضية والتعبير عن آرائهم في قضايا مختلفة عامة وخاصة.

في حين تبين وجود علاقة عكسية بين التوجه الزماني الإيجابي نحو المستقبل وسلوكيات الإدمان على الإنترنت والفيس بوك، أي إنه لا يمكن لمن يمتلك منظوراً مستقبلياً إيجابياً أن تظهر لديه سلوكيات إدمان الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بما فيها الفيس بوك وغيرها، ويفسر ذلك بأن المستقبل مرتبط بتحمل المسؤولية والنظر إلى العواقب المستقبلية والضبط الذاتي والضمير.

وهنا يطرح التساؤل: ما تأثير العامل الثقافي في كل من إدراك الزمن وسلوكيات الإدمان؟

بالرغم من أن نمط إدراك الزمن يمكن تعلمه في الطفولة إلا أن العامل الثقافي يمكن أن يكون له أثر في توجه زمني معين أكثر من غيره، فقد أظهرت إحدى الدراسات أن الأفراد في المجتمعات التي تؤكد على استقلالية (مثل أمريكا الشمالية والدول الأوربية) يميلون إلى التركيز على المستقبل في حين يميل الأفراد في المجتمعات التي تشجع على الارتباط الاجتماعي (مثل الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية) إلى التركيز على الماضي.

ومع ذلك فإن مثل هذه النتائج تحتاج إلى مزيد من الدراسة لنستطيع تعميمها، لكنها تقدم مؤشراً لتأثير هذا الموروث الجمعي على الأفراد في زمن يتسم بالانفتاح والاستهلاك معاً. والعامل الجوهري هو مدى إمكانية أن يغير الفرد توجهه الزمني بدل من الانطواء على إحداها من دون الأخر. وهنا يوضح  زيمباردو أنه يمكن أن يتعلم الفرد بشكل مثالي تغيير انتباهه بسهولة بين الماضي والحاضر والمستقبل، وأن يُكيّف عقله بصورة واعية في أي موقف تواجهه، فإذا تعلم كيف يغير وجهة نظره نحو الزمن وفق هذه المواقف فإن ذلك يوفر له فرصة أن يعيش حياته بشكل كامل وممتع،  فيستطيع أن يسترخي في المساء ويستمتع بمشروبه المفضل (في الحاضر) أو يتذكر بعض الأحداث الجميلة التي وقعت منذ زمن قديم مع أحد الأصدقاء (في الماضي)، ورغم ذلك فإن تعلم مهارة التكيف مع أبعاد الزمن وفق المواقف المواجهة تحتاج إلى جهود كبيرة من أجل إتقانها، وقد تتطلب جهداً مجتمعياً ولاسيما عندما يدق ناقوس خطر عند إدمان الإدمان، إذ يتحول الإدمان مع مرور الزمن ومنظوره المضطرب إلى سلوك طبيعي لدى جيل بأكمله فيجعل من طبيعة العلاقات والتفاعلات الإنسانية والاجتماعية والمهنية مرهونة بعالم افتراضي استهلاكي سريع يحكمه إدراك جمعي ضيق.

إنها مسؤولية عامة على عاتق الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع بمؤسساته الرسمية والأهلية ولابد أن نتحمل المسؤولية.

  • (عضو هيئة تعليمية_ جامعة دمشق) – كلية التربية الثانية بالسويداء
العدد 889 - 4/12/2019