تطاول أمريكي وهروب إلى الأمام!

 د. صياح عزام: 

لم يكن أحد يتوقع أن تصل الأمور لدى إدارة الرئيس ترامب لدرجة أن تتطاول بهذا الشكل وبهذه الوقاحة الفجة التي ليس لها مثيل على القرارات والمرجعيات والثوابت الدولية، وبأسلوب يقود إلى الفوضى والانفلات ومصادرة إرادة الشعوب. إنها تطاولات صادمة للمجتمع الدولي لما انطوت عليه من استقواء على القواعد والمبادئ الدولية والعمل على تحديها وعدم احترامها والضرب بها عرض الحائط، هذا كله إلى جانب الأحادية القطبية التي انفردت بها الولايات المتحدة منذ انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق وما تبع ذلك من سياسات أمريكية مدمرة من حروب وصراعات اختلقتها هنا وهناك.

لم تراع الإدارات الأمريكية إرادة المجتمع الدولي، وخاصة إدارة الرئيس ترامب الذي يتعامل مع دول العالم كزبائن فقط، وتحت شعار (أمريكا أولاً)، انسحبت واشنطن من عدة اتفاقيات ومنظمات دولية، وافتعلت الأزمات والحروب مثل الحرب التجارية على الصين وبعض الدول الأوربية والآسيوية، كذلك صبت جام غضبها على الشعب الفلسطيني، بدءاً بالاعتراف بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي ونقل السفارة الأمريكية إليها، مروراً بقطع الإمدادات عن (الأونروا) تمهيداً لحلها وتصفية حق العودة للفلسطينيين، وإقفال مكتب منظمة التحرير في واشنطن والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل، وصولاً إلى الإعلان الجائر قبل أيام على لسان وزير الخارجية الأمريكي بومبيو باعتبار المستوطنات الإسرائيلية غير مخالفة للقانون الدولي، وهذا الأمر جعل عدة أطراف دولية مهمة في الأمم المتحدة تشعر بالقلق وبالخطر المحدق بالمنظمة الدولية بسبب هذه التصرفات الأمريكية الظالمة وغير المسؤولة وغير المسبوقة وغير المتزنة أيضاً، وليأتي الرد عليها بالاحتجاج والاستنكار، وبالتصويت ضدها في مجلس الأمن لمخالفتها وانتهاكها لميثاق الأمم المتحدة وللقانون الدولي، بحيث جعل الولايات المتحدة وحيدة ومنعزلة وعاجزة عن التأثير في الكثير من دول العالم وبضمن ذلك الدول الحليفة لها مثل دول الاتحاد الأوربي، ووضعت نفسها في موقف حرج وهي تدخل في مواجهة خاسرة مع المجتمع الدولي الذي انتفض دفاعاً عن قرارات منظمات وهيئات دولية أنصفت الشعب الفلسطيني في صراعه مع الكيان الصهيوني الغاصب، مؤكداً عدم شرعية الاستيطان.

إن الإعلان الأمريكي يشكل خرقاً فاضحاً لقرارات مجلس الأمن 242 و338 و2334 وجميعها اعتبرت الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري المحتل أراضي محتلة تخضع للاتفاقات والقوانين الدولية، وبعدها صدرت عدة قرارات لا يتسع المجال لذكرها تؤكد على ذلك.

في الجلسة الشهرية لمجلس الأمن لمناقشة (الوضع في الشرق الأوسط بما فيها قضية فلسطين)، كان الإعلان الأمريكي حول شرعنة الاستيطان جوهر الحوار والنقاش، وكان التصويت بالإجماع (باستثناء الصوت الأمريكي) بأن المستوطنات غير شرعية، وكانت هناك مواقف أخرى لافتة، حيث دعا وزير خارجية لوكسمبوغ الاتحاد الأوربي للاعتراف بدولة فلسطين رداً على الموقف الأمريكي الجديد.

ومما يجدر ذكره أن العديد من الباحثين يجمعون على أن التغول على القضية الفلسطينية ممتداً إلى ما حولها، هو انعكاس مباشر لأزمة حاكمين تستنزف الأزمات الداخلية أعصابهما وتهددهما في مصيرهما ومستقبلهما السياسي.

من بين دواعي إدارة ترامب للإقدام على شرعنة الاستيطان، محاولة استرضاء قاعدته الانتخابية من الإنجيليين المتعصبين والأكثر يمينية من اليمين الصهيوني نفسه، في الوقت الذي يتعرض فيه لأزمة حادة قد تؤدي إلى عزله على خلفية (فضيحة أوكرانيا)، فجلسات النواب المطولة والمنقولة على الهواء إلى كل بيت أمريك استنزفت أعصاب الرئيس الأمريكي وجعلته منغلقاً في عباراته عن كل قيد وتصور.

المقاربة نفسها اتبعها نتنياهو الذي تلاحقه اتهامات رسمية بالفساد والاحتيال وخيانة الأمانة من المدعي العام، فما يحدث معه- حسب زعمه- محاولة (انقلاب) عليه كما قال بالحرف الواحد!

ولهذا لجأ نتنياهو للهروب إلى الأمام بالتصعيد العسكري في غزة، وفي سورية، وبالتالي جاء الاعتراف الأمريكي بالمستوطنات كهدية جديدة لنتنياهو في وقت حرج تدعم مركزه في انتخابات ثالثة للكنيست (إذا ما جرت)، بالمقابل ترامب ينتظر هدايا، أي دعماً من اللوبيات اليهودية داخل الكونغرس.

إذن كل منهما بحاجة للآخر (ترامب ونتنياهو) ولكن على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

 

العدد 918 - 8/07/2020