الأديب باسم سليمان: أنا غراب، لاتمثيل ولا محاكاة.

الأديب باسم سليمان، علامة فارقة في المشهد الإبداعي السوري، بدأ تجربته الأدبية مع الشعر وحلّق معه عالياً وكان ذلك لافتاً ومتميزاً، وقد صدرت له عدة مجموعات شعرية أثارت نصوصه الشعرية العديد من الوقفات النقدية والقراءات في شتى وسائل الإعلام. ذهب إلى القصة القصيرة ومن ثم اتجه إلى الرواية، فأبدع نصاً روائياً لافتاً بعنوان: ( نوكيا) هذه الرواية التي صدرت في القاهرة ومن ثم في دمشق، رواية جديرة بالتوقف عندها مطولاً. ومن ثم قاده الحنين إلى الشعر فعاد إليه.

– باسم سليمان، من الشعر إلى القصة القصيرة وبعدها نحو الرواية، أين أنت وسط هذه الإبداعات؟

– المثل يقول: (طبّاخ السّمّ لازم يذوقه) وكما أنّ السّمّ هو ترياق نفسه، كان تنقلي بين الأجناس الأدبية لاختبار حساسياتي، لكن في النهاية، المظهر الذي سيتجلّى فيه نتاجي الأدبي تحكمه التجربة، ولكلّ تجربة مظهرها، وحاليًّا أنا في الرواية.

–  روايتك ( نوكيا ) العنوان لم يخدم الرواية، لماذا نوكيا وكان بالإمكان اختيار عنوان أكثر خدمة لروايتك؟

– ما الذي يميّز الألفية الثالثة؟ أليست أجهزة الخلوي! ألم تكن نوكيا أشهر علامة تجارية، حيث كان صعودها وإفلاسها أشبه بحالة أوديب في المسرح اليوناني، ألا يدلّ ذلك على هشاشة الذات في بداية هذه الألفية! ألا يشبه باسم ومحمود وداني أبطال الرواية ومرجعياتهم من موبايل النوكيا المضاف لذات باسم التخييل المضاف لذات محمود والواقع المضاف لذات داني، تلك الهشاشة حيث تحتاج الذات إلى شيء خارجي عنها كي توجد! والآن مع الواقع الافتراضي، أين واقع داني وتخييل محمود، لقد ابتلعهم باسم. و كيف نميز الواقع عن العالم الافتراضي والتخييل عن العالم الافتراضي، سأترك الإجابة لقراء نوكيا.

-إلى أيّ حد تدخل الواقع مع المتخيل في روايتك نوكيا وهل شخصية باسم في الرواية هي الوجه الآخر لباسم سليمان ؟

في وجه ما ستكون إجابتي بالـــ ( نعم) وفي وجه آخر ستكون إجابتي بالـــ(لا) وهذا يعني تداخل المتخيّل والواقعي بشكل محتوم في روايتي. هذه الحتمية ظهرت في القصة التي وردت في آخر الرواية بعنوان (عائلة سعيدة جدًا المنشورة في ملحق جريدة الثورة الثقافي، العدد:2234 – تاريخ: 16/2/2011. عادةً ما تستخدم الجرائد لتأكيد تاريخ حدث ما، فهل هناك أكثر من هكذا واقع!

– مسألة الجنس التي طرحتها في روايتك، وإن لم تكن بشكل مبتذل إلى أي حد ساهمت في ارتقاء نصك الروائي هذا، أم  هي جاءت للتميز والاختلاف ؟

– إن استخدام الجنس في لحظات مفصلية من حيوات باسم ومحمود وداني كطاقة تغيير وثورة، والقارئ للرواية سيلاحظ كمية السخرية والتهكّم في المقاطع التي ورد فيها الجنس، وسيدرك قصدي، فالاحتلام الليلي الذي يجعل اليتيم راشدًا وتدفع له جرّاء ذلك أمواله في النهار،لم يجعلنا نحن شباب ورجال اليوم نعامل كراشدين مع أنّ زمناً طويلاً قد مرّ على احتلامنا.

-الطبعة الأولى لروايتك نوكيا في كانت أولاً في مصر , ومن ثم في سورية، لماذا لم يحدث العكس؟

– الموضوع ببساطة أنّني قد راسلت دورًا سورية، ولم تقبل الطباعة إلا بمقابل مادي، وحدث أن قبلت الدار المصرية بطباعتها على حسابها. أما الطبعة الثانية في سورية فقد أنجزتها دار سين على حسابها بعد ما رأت أنّها رواية تستحق أن يتم إعادة توطينها في سورية.

–  اللغة التي استخدمتها في روايتك تنحاز للشاعرية، هل هي تجديد لباسم سليمان الشاعر في هذا النص الروائي ؟

– السرد متنوّع في نوكيا من التقريري الجدلي الذي يقارب فن المقال إلى الشعرية الكتلية وكل ذلك لخدمة أغراض السرد كي تصبح الجملة قابلة للتأويل والتفسير وهذا سمح للسرد أن يكون بعدة مستويات خطي وأفقي ورأسي.

-قلت ذات مرةٍ : ( إن افتقادي للإنسان في الواقع السوري و في الحرب كشف لي الحاجة للدفاع عن الحيوان والنبات والجماد أكبر الخاسرين فيها) ماذا تقصد ؟

– أنت تشير بذلك إلى ديواني الرابع (الببغاء مهرج الغابة)، إنّه ديوان يحتفي بشعرية الحيوان والنبات، فكان ردًا على واقع الحرب وصدمتي بالإنسان. ذهب الحكيم بيدبا لكتابة قصصه على ألسنة الحيوانات في كليلة ودمنة هربًا من الرقابة وأنا ذهبت في قصائد (الببغاء مهرج الغابة) هربًا من الإنسان.

– قلت ذات حوارٍ : أنا غراب، لاتمثيل ولا محاكاه، قد سبقني إليها الشاعر أميّة بن أبي الصلت، وخاصة في نبوءة موته، لماذا الغراب ؟

– لأني لا أنفع كطعام، وليس صوتي جميلاً حتّى يطرب من يسمع، فأسكن الأقفاص، وليس ريشي ناعمًا كريش النعام حتّى تصنع منه مخدّات الأحلام!

-كشاعر تنفي عن ذاتك لبوس القصيدة العامودية، كذلك قصيدة التفعيلة، وتعلن عن وجودك في قصيدة النثر، ماتفسير ذلك ؟

– في الحقيقة أنّي مولّع بحق بالقصيدة الجاهلية وأرى جماليتها لا تنتهي مع أنّي لا أجيد الوزن ولا الإيقاع، لدي أذن لا تفرق بين ضربة الريشة على الوتر وضربة مطرقة من يحدو الأحصنة، أسواء كانت على المسمار أم الحافر! قال أفلاطون في محاوراته بعد طرده الشعراء من مدينته الفاضلة: إن أرادوا الدفاع عن أنفسهم، فليقدموا دفوعهم بشكل نثري لا شعري!

-هل سيستقر بك الحال على كتابة الرواية، أم أنك ستتنقل بين باقي الأجناس الأدبية؟

– ليس لدي خطّة أنا أشبه الموت؛ خبط عشواء!

-ماذا تخبئ لنا إبداعياً في قادمات الأيام؟

– رواية انتهيت منها بعنوان: جريمة في مسرح القباني- الحدّ والشبهة وأبحث عن دار أسسها حاتم طي كي تطبعها على حسابها.

– للحقيقة كان الإعلام السوري كريمًا معي فقد ظهرت عدّة مرات على قناة سما مع المذيعة المميزة ريم معروف في برنامجها (تفاصيل) في عام 2014 ولقد كانت حلقة نارية أقيم الحد عليّ بعدها. وأخرى في برنامج قوافي عام 2018 وهذه المرّة كنت غرابًا قد تمدّن وترك جاهلية أمية بن أبي الصلت. وفي معرض الكتاب أواخر صيف 2019 وقعت كتبي الجديدة في المعرض مع عدة لقاءات تلفزيونية وإذاعية وصحفية.

 

العدد 918 - 8/07/2020