في جمعية العلوم الاقتصادية.. أهمية صناديق الاستثمار في إعادة الإعمار في سورية

(خاص- النور) – غزل حسين المصطفى:

التراجع الاقتصادي بات واضحاً للكل خلال سنوات الحرب السورية، لكنَّ التوقعات كانت تُرجح تحسناً واستقراراً في الشق الاقتصادي اعتماداً على بعض الجوانب التي بدأت تشهد بعض الاستقرار.
ولأن السياسات الاقتصادية المتبعة في سورية هي سياسات أزمة وليست سياسة بناء استراتيجي، باءت توقعات الاستقرار بالخيبة ووصلنا إلى ما نحن عليه.
ونحن كاقتصاديين لا يتمثل دورنا في التشخيص والحديث بلغة تبريرية وتبادل التهم، إنما يتلخص دورنا في وضع وإيجاد حلول للمشاكل حتى لو كانت جزئية لكنها تضعنا على المسار الصحيح.
بهذه المقدمة بدأ الدكتور رازي مُحي الدين محاضرته (أهمية صناديق الاستثمار لتمويل إعادة الإعمار في سورية) في المركز الثقافي في أبو رمانة ضمن محاضرات الثلاثاء الاقتصادي لجمعية العلوم الاقتصادية.
كيف يمكن أن نُغيّر الواقع وننتقل إلى تنمية اقتصادية اجتماعية يحتاجها الواقع؟
ماهي طرق تأمين المال، التي تتحدد بالعديد من الأمور وتُحدد مجموعة تفاصيل مستقبلية نتجاوز فيها الوضع ونصل إلى التنمية المطلوبة؟
كيف يمكن أن نتجاوز الإفلاس الاقتصادي؟
مجموعة طروحات كانت محط نقاش.
بدايةً، صناديق الاستثمار هي وعاء مرن غير محدد رأس المال (يمكن أن نحدد رأس المال)، لصغار المدخرين.
تتمثل مزاياها في تشجيع الادخار وتنويع المحافظ مما ينوع الخيارات الاستثمارية، كما أنها تساعد في عملية إعادة الإعمار.
وتعتبر أهم ميزات الصناديق الاستثمارية أنها وعاء استثماري ووعاء ادخاري مخاطرها أقل وعوائدها أعلى ذات تنوع أكبر.
والسؤال (هل هناك إمكانية لتطبيق صناديق الاستثمار في سورية؟)
الحقيقة نحن في سورية كانت أغلب المؤسسات جيدة كسوق المال وشركات التأمين أو الصرافة أو المصارف، لكن ضمن مضمار الأزمة لم يستطع القطاع الاستثماري الانتقال لمرحلة خلق منتجات تناسب المجتمع السوري، بل بقي بحالة المنتجات الوليدة.
والحلول للخروج من الإفلاس المالي تتمثل بـ:

أولاً_ إلغاء فكرة تعويم العملة، التي يعتمدها الجهلة الاقتصاديون شماعة لفشلهم، ذلك أنها الخيار الأسوأ على المواطن والمستثمر.
إن أيّ تعويم هو زيادة ضعف للقوة الشرائية، وبالتالي انهيار متزايد للصناعة والاستثمار.

ثانياً_ الجهاز المصرفي وكل المصارف التي يُعول عليها في مجموعة من الحلول التي يجب تطبيقها كاملة لكي نغطي فجوة الطلب الحالية، تتمثل الحلول بـ:
_ وديعة طويلة الأجل بعائد سنوي عشرين بالمية وبالتالي تشجع المدخرين على الادخار وطلب الليرة السورية.

_وديعة (ليرة – دولار) : أيّ أن يودع العميل مبلغاً مالياً بالليرة السورية، وفي حال أراد سحب وديعته يأخذ مبلغاً مالياً مُعادلاً على سعر صرف الليرة أمام الدولار، كأن الجهاز المصرفي بدأ يبيع الدولار بكميات كبيرة وغير محدودة، وهذا سيخفض سعر الدولار لأن زيادة العرض تؤدي حكماً لخفض السعر.

– وديعة (ليرة- ذهب) : أيّ أن يودع العميل مبلغه بالليرة السورية ويتم معادلتها بالذهب، وعندما يقرر بيع الوديعة يتم بيعها بسعر الذهب بتاريخ البيع.
هذا يؤدي إلى زيادة عرض الذهب (دون أن نضطر لشراء الذهب) وتتحول الليرة السورية لوسيلة لحفظ القيمة لأنها مرتبطة بالذهب، وهذه أداة استثمارية هامة جداً لأن الذهب يصبح ملاذاً أمناً عند الأزمات، وعادةً المصارف تأخذ عمولات على هذه الوديعة هي عمولات شراء وبيع وتحويل إلى ذهب ولا تدفع فوائد.

– وديعة (ليرة يورو أو ليرة ريمنمبي أو استرليني) وهذه الودائع مفيدة للمستوردين بحيث يضع مبلغه بالليرة السورية دون فوائد، إنما للحماية من فروقات أسعار الصرف.
وبالتالي نخلق أدوات تحوّط للأسعار وأدوات استثمار وأوعية ادخارية في السوق السورية بالليرة السورية عوضاً عن الأداة الوحيدة الحالية والقاتلة للاستثمار والادخار ولليرة السورية والتي تتمثل بأخذ قروض بالليرة السورية بسعر فائدة قليل (أقل من التضخم ) ونحول المبلغ إلى دولار، وهنا سيتحول الجهاز المصرفي إلى داعم للدولار ومضارب على الليرة السورية.

ثالثاً_ يجب تخفيض تكلفة الفساد الاداري لأن الارتفاع الحاد لتكلفة الفساد الإداري يقتل السوق بسبب رفع التكلفة الحاد، وبسبب سياسات المنع والقوانين المعقدة، وبدلاً من سياسات المنع (الاستيراد أو شراء العملة أو ترخيص بعض المشاريع) التي تؤدي للفساد حصراً نعتمد سياسات السماح برسوم مقبولة تشكل إيراداً للخزينة وقيمة الرسم يشكل الحماية لليرة أو للصناعة المحلية المنافسة للمستورد.

رابعاً_ يجب إحياء سوق دمشق للأوراق المالية، فبدلاً من وجود ٢٧ شركة مساهمة فقط، وعدم وجود أيّ أداة أخرى غير الأسهم، يحب إيجاد كثير من الأدوات المالية التي تشجع على الادخار والاستثمار ومنها:
– إصدار شهادات إيداع بنكية قابلة للتداول (تشبه الودائع الآجلة، لكنها قابله للبيع وهي تعتبر أداتين معاً، أداة نقدية وأداة استثمارية) وبالتالي تستخدم بدل الشيكات مع عائد مقبول.

– توسيع السوق المالية، وفتح سوق تداول خارج القاعة otc لكي تشمل كامل الشركات المساهمة الأخرى (بدلاً من غرف التداول بهذه الشركات) وشركات الصرافة، وتشجيع الجامعات والمؤسسات السياحية وبقية الشركات المساهمة وكبرى الشركات محدودة المسؤولية للتحول لشركات مساهمة.

– إصدار سندات وأذونات خزينة حكومية قابلة للتداول لتمويل العجز الحكومي بدلاً من التمويل بالعجز أو الاستدانة من المصارف العامة، إذ يجب أن تكون الحكومة لكل السوريين ولا تتمتع المصارف الحكومية بمزايا غير موجودة بسوق النقد.
– إنشاء صناديق استثمارية وإصدار صكوك استثمارية بالتعاون مع المصارف وبشكل خاص المصارف الإسلامية لتمويل أهم مشاريع إعادة الإعمار في سورية.

في نهاية المحاور الأساسية المطروحة تعددت المداخلات والاستفسارات التي أغنت الحوار وكان السؤال الأبرز ( هل نحن بحاجة إلى تشريع مرسوم أو قانون لتصبح هذه الصناديق فعالة أم أننا بحاجة فقط لقرارات تُفعّل العمل؟)
وفي الختام أضاف د. رازي: نحن بحاجة كذلك إلى رافعة مجتمعية لنتحول من مجتمع نامٍ أو متخلف إلى مجتمع متطور، وذلك يتمثل بمجموعة من النخب وحتى وإن كانت الأعداد قليلة لكنها قادرة على صنع الفرق ضمن مدة زمنية معينة تتبع للعدد، لكنَّ الكارثة تكمن في نزيف هذه النخب بالهجرة والبعد عن دورها الفعّال ضمن مجتمعها.

العدد 917 - 1/07/2020